لقد كسروا ( عين ) العراق يا أبا فرات..

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

تذكرت الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، عندما كان يقول (عُراق) بضمّ العين، بدلاً من عراق - بكسر العين -وحين كان يسأل عن السبب، كان أبو فرات يقول: يعز عليّ أن أكسر عين العراق لأنّ عين العراق لا تُكسر ابداً ..!

إن تذكري لهذه اللقطة الباهرة في شخصية الفرد العراقي الأبية، يأتي من أجل استحضار مدى اعتزاز العراقي ببلاده، ومدى ثقته بكبرياء وشموخ عراقه الفذ، بحيث يضطر شاعر عظيم، وحارس أمين من حراس اللغة العربية مثل الكبير  الجواهري، إلى التجاوز على قواعد اللغة، وانتهاك حرمتها، إكراماً للعراق وعين العراق، وعزاؤه في ذلك، أن العراق بلد كريم وعظيم ومهاب، ولا يجب أن تكسر عينه حتى لو جاء ذلك لفظاً  !

لقد احتجت اليوم إلى هذا الاستذكار للمقارنة بين كبرياء الفرد العراقي في السابق، وكبريائه اليوم.. وقطعاً فإن هذه المقارنة لا تخص كبرياء الشعراء فقط، فالوطنية زرع إنساني عام، والإنتماء لا يتحدد بأصحاب الشعر أو  الفن أو الرياضة أو السياسة أو في الميدان العسكري، إنما هو فطرة في ( الجينات )، وغريزة بشرية تنعكس في دم الأشخاص الأوفياء، تترجم إلى أفعال ومواقف تصل حد التضحية بالنفس. كما أن الانتماء يُغرس بالتربية والتعليم وثقافة الولاء أيضاً، لذلك لم يكن ( أبو فرات) استثناءً في اعتزازه بوطنه، ولا شخصاً فريداً بين أبناء مجتمعه، إنما تجد مثله ملايين العراقيين الأوفياء، وربما هناك أشد منه ولاءً وانتماءً للعراق، لكن الجواهري كان الأكثر وضوحاً وجرأة من الآخرين.

لقد تحدثت لكم عن عين العراق التي رفض الشاعر الجواهري كسرها حتى في اللغة، ولم أتحدث عن هذه العين التي كسرها ساستنا، بل وفقسوها أيضاً، بحيث بات العراق بسببهم اليوم مسلوب الإرادة والسيادة، وفاقد القدرة والقيادة، يتحكم بمصيره (شعيط ومعيط)، وتقرر قراراته هذه الدولة أو تلك دون شعور منهم بالحرج، ولا أقول بالخزي والذل والعار.

لقد أصبح ترامب وغلمانه و(زعاطيطه) يتحكمون بنا وبحياتنا ومصائرنا، وباتوا 

يتصرفون بمأكلنا ومشربنا وأوقات نومنا وصحونا، حتى صاروا يقررون لنا ما يشاؤون، ويرفضون ما لا يريدون ولا يشتهون، وحين نتجرأ يوماً ونمارس حقنا الوطني، باتخاذ قرار معين، سنسرع لإلغاء هذا القرار بمجرد أن ينشر ترامب تغريدة واحدة ضد القرار !

نعم، تغريدة واحدة تكفي لإخافتنا وتغيير قرارنا .. حتى وصل الاستعلاء والتكبر لدى ترامب إلى أن يصدر أوامره الينا بتغريدة، وليس عبر خطاب حكومي رسمي يرسله إلى دولتنا، أو  عبر الخط الدبلوماسي العادي، فهو يرى أن تغريدة من سيادته كافية لإلغاء أي قرار عراقي حتى لو كان القرار مصيرياً ومهماً لشعب العراق.. 

وطبعاً فإن ترامب يعرف أننا سننفذ الأمر، ونلغي ما قررناه، وفوگاها ( بوسة ) لعيون ( ميلانيا ) الزرق !

والشيء ذاته مع القرارات العراقية الأخرى التي لن تصبح نافذة المفعول حتى يوافق ترامب ويبصم عليها بتغريدة من سيادته ..

والمشكلة لاتكمن في شرط الموافقة الترامبية على قراراتنا فقط، إنما سنحتاج إلى موافقات أخرى و بوس لحى وتقبيل أيادي دول عديدة غير أمريكا وترامب ! 

وعلى سبيل المثال، حين قرر الإطار التنسيقي قبل ايام ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء، رفض ترامب قرار الإطار عبر تغريدة أعلن بها الفيتو، هي تغريدة بسيطة لا تتجاوز السطرين، وبعدها أصبح المالكي ( كش ملك ) - مع الاعتذار لأبي أسراء -..!

وحين مضى السيد محمد شياع السوداني نحو الولاية الثانية بخطوات واثقة، وثابتة، بفضل استحقاقه الانتخابي، والأصوات التي نالها ائتلافه، وبفضل وفرة  الأصوات التي حصدها شخصياً عبر الصناديق.. وقبل أن يعلن  الأطار بشكل رسمي ترشيح السيد محمد شياع السوداني لمنصب رئاسة الوزراء، جاء من يقول إن لدى (طهران ) تحفظاً على تجديد الولاية، فتلقفها قادة الإطار، وكأنها: ( عيد وجابه العباس النا ) !إذ وجدوها فرصة ذهبية لإبعاد الرجل، متحججين برفض الحكومة الإيرانية، خصوصاً وأنها تزامنت مع زيارة السيد إسماعيل قآآني لبغداد.. وللحق فإن طهران لم تتحفظ على السوداني ولا على غيره، إنما تستخدم  هذه الفرية من قبل قادة الأطار، كأداة تخويف ومنع، مثل البعبع الذي يستخدم كأداة لتخويف الأطفال ودفعهم إلى حسن السير والسلوك، أو للنوم مبكراً، أو لمنعهم من القيام بأفعال معينة ..!

وحين أزيح السوداني عن استحقاقه برئاسة الوزراء، تقدم السيد حيدر العبادي نحو المنصب حتى أصبح الأقرب إلى تحقيق ولايته الثانية، لولا تدخل ( إرادات خارجية) تمكنت من تغيير قرار الإطار ونجحت بإبعاده من المنصب، وهذا الكلام قاله العبادي بنفسه حرفياً في وسائل الإعلام.

وعدا المالكي والسوداني والعبادي، ثمة مرشحون آخرون بعضهم معروف، والبعض الآخر غير معروف، أبعدوا عن قائمة التنافس أيضاً لأسباب تتعلق بعدم موافقة ( الخارج) ..!

ولم يفلت (الجانب السني) من قبضة تدخل الخارج: 

فها هو (المجلس السياسي الوطني) يتعرض كشقيقه الإطار إلى ضغوط الدول والقوى الخارجية، فموافقة قطر أو  رفض السعودية، او اعتراض الكويت، أو مباركة الإمارات والأردن، أو رفض جيبوتي وساحل العاج على ترشيح هذا السياسي أو ذاك أمر مهم وحاسم لنيل المنصب الحكومي..!

 وهكذا أصبح العراق لعبة بيد ( اليسوه والمايسوه)، وبات القرار العراقي في يد أمريكا وايران وقطر والأردن والسعودية وتركيا والكويت - تصوروا حتى الكويت صار لها رأي في القرار العراقي -

والسبب في كل هذا الهوان والذل يعود لعدم ولاء أغلب سياسيينا وحكامنا لبلادهم، فضلاً عن ضعف شخصياتهم الوطنية، وعدم توفر النزاهة والشجاعة والكبرياء والانتماء للأرض العراقية.. وإلا بربكم كيف قبلوا أن يعامل بلدهم النبيل بهذه الطريقة المذلة، وكيف رضوا بكسر عين عراقهم الكريم أمام دول ودويلات بعضها لا يساوي (فلسين ممسوحة) بينما يرفض الجواهري أن يكسر حرف في اسم العراق، فتحمل من أجله نقد الناقدين ولوم فقهاء اللغة، وهو العبقري في النحو والصرف ..

والسؤال هنا: ماذا يستطيع المواطنون العراقيون فعله اليوم وهم المحكومون بظروف دولية وإقليمية وداخلية قاهرة؟!

والجواب: أنا لا أطالبهم بثورة مسلحة ولا بانقلاب عسكري، إنما أطالبهم فقط بالتظاهر السلمي دون توقف، لأن التظاهر الشعبي المتواصل ضد بؤر الفساد، وضد التدخل الخارجي، وضد الرضوخ للأجنبي مهما كان، وضد الطبقة الحاكمة الفاسدة، كفيل بتحرير العراق من القيود، وإطلاق سراح القرار العراقي من قبضة ترامب وغير ترامب.. فنحن شعب حر، له تاريخ وتجارب فذة، وقد أثبتنا قدرتنا العظيمة على تحرير بلادنا من أي ( إحتلال) كان، وفي أكثر من حقبة ومناسبة، فهذا الشعب الذي أسقط معاهدة بورتسموث الإستعمارية عام 1948 عبر وثبة كانون العظيمة، قادر على القيام بألف وثبة ووثبة أخرى، وقادر على تحرير البلد من نير المعاهدات والأحلاف والقيود، وعلى كنس البلاد وتنظيفها من أدران عملاء الدول الأجنبية والحكام الفاسدين، ومن السياسيين الجبناء الذين ترعبهم تغريدة غبية من رئيس احمق  ..!