( عمارة الصبي ) .. وبرقية النجف

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

رغم أن ( العيد ) لم يعد مثلما كنا نحتفل به، ونستعد لقدومه أيام زمان، لكني شعرت بفرح غامر، حين قرات أمس خبراً يفيد باتفاق مرجعية النجف المباركة، والوقف السني الكريم ، على موعد واحد للاحتفال بعيد الأضحى لهذا العام .. وإذا كان هذا الأمر يبدو عادياً لأبناء هذا الجيل وعموم الأجيال الجديدة، فإنه في غاية الأهمية لنا، وللأجيال التي سبقتنا.. فقد كان الإختلاف والخلاف بين المذهبين حول تحديد اليوم الأول للعيد، يسبّب إرباكاً ومعاناة لنا - نحن أبناء المذهب الجعفري- أكثر من الجانب الآخر، (فالحكومة) مثلاِ كانت ترى ( الهلال ) بالعين المجردة قبل أن تراه عيوننا ( المجردة )،  او مراصدنا الفلكية، فتعلن رسمياً عن أول أيام عيد الفطر، بينما نبقى نحن ننتظر ( عين المرجعية) أو المراصد الفلكية الموثوقة لتبصر الهلال، وتحدد لنا العيد، لا سيما عيد الفطر .. ولا أكشف سراً حين أقول إن ( عيد الحكومة) كان ينفد، وينتهي أحياناً، بينما نحن ننتظر ( برقية النجف ).

أما عيد الأضحى، ورغم أن تحديده يتحقق من خلال رؤية هلال شهر ذي الحجة، حيث يُعلن يوم العاشر منه كأول أيام عيد الأضحى، أي بعد انتهاء وقفة يوم عرفة المصادف التاسع من ذي الحجة في كل سنة هجرية، إلا أنه يمر بذات المنحى، وذات التعقيد، وندفع نحن ذات الثمن ..

ولم أنسَ قطعاً معاناتنا في أول أيام العيد آنذاك، خصوصاً في سنين طفولتنا، وكيف كان أهلنا يمنعوننا بالقوة من ارتداء الملابس الجديدة المحفوظة تحت وسائدنا قبل أن يعلن عن يوم العيد من قبل مراجعنا الكرام في النجف..

ولم ينقطع الاختلاف حول تحديد أول أيام العيد حتى الآن، لذلك تجدونني اليوم فرحاً بهذا الإتفاق، متأملاً في الوقت نفسه ان يحصل التوافق بين الطرفين في جميع الأعياد القادمة، لا سيما عيد الفطر، الذي أعتبره ( بؤرة الإختلافات) !!

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد حدثت صديقي أمس عن هذا ( الإنجاز ) المبارك، وقد سألني صاحبي سؤالاً لم أفهم سببه وغايته حين قال لي: أبو حسون شلونك بأمور الفقه؟

فضحكت وقلت له: وعيونك ولا ( طگة) ..!

فابتسم وقال: يعني مثلاً ما تعرف (الأحوط وجوباً) شنو والمرجع الديني شيقصد بهذا الإصطلاح ؟

قلت: لا والله ما أعرف .. قال: معناها، أن المرجع يرى وجوب الاحتياط في مسألة ما، لذا هو يلزم المكلّف باتباع أحد أمرين: إما العمل بالاحتياط المذكور، أو الرجوع إلى مجتهد آخر (في المرتبة بالأعلمية) ليأخذ بفتواه .. 

ثم أكمل صديقي: أرأيت تواضع العلماء كيف يكون؟

قلت: ونعم التواضع والله ..

إحنه عدنا الوزير الجديد يشطب وينسف كل إرث ومشاريع وآراء وتوجيهات وفريق الوزير السابق !! وعودة إلى موضوع اتفاق مرجعية النجف والوقف السني حول موعد عيد الأضحى، فقد أعلن كل من مكتب المرجع الديني الأعلى علي السيستاني، والوقف السني، يوم 27 المقبل، كأول أيام عيد الأضحى، بعد أن توافقا على ان يوم الإثنين - الماضي - غرة شهر ذي الحجة، وبهذا يكون يوم الأربعاء 27 أيار أول أيام عيد الأضحى.

ويجب الإعتراف هنا بأن هذا الإتفاق المبارك لم يفرحني ويفرح عائلتي فقط إنما أفرح جميع المسلمين العراقيين، حتى أني قرأت طرفة نشرها أحدهم على صفحته في الفيسبوك يقول فيها: "شكراً لمرجعية النجف، شكراً للوقف السني، فهذا أول عيد راح نأكل بيه گيمر وكاهي، لأن كل عيد كانوا أخوتنا أبناء العامة يعيدون قبلنا وياكلون الگيمر والكاهي كله.. بس هاي السنة راح نعيد سوية .. ومحد يغلب الثاني .."

وعدا (الگيمر والكاهي) فإن 

 الإحتفال بالعيد سوياً له منافع ودروس وجدانية ودينية ووطنية عظيمة.. 

إذ ليس من المعقول أن العراقيين الذين ثاروا سوياً، عام 1920 ضد الاحتلال البريطاني، وانتفضوا معاً في وثبة كانون المجيدة، 

وانتصروا على الاستعمار وعملائه في ثورة تموز المباركة عام ١٩٥٨ ، وسال دمهم سويا في كل معارك التحرير والدفاع عن أرض العراق.. وليس معقولاً أن الحجاج العراقيين يقفون كلهم دون استثناء على جبل عرفات يوم التاسع من ذي الحجة، لكنهم يتفرقون في اليوم الثاني، ويصبح عيد الأضحى مفرقاً لأبناء المذهبين وليس لهم جامعاً، أو مناسبة وفرصة ذهبية لوحدتهم. إن الألم سيعتصر قلبك حتماً حين تذهب لصديقك مباركاً ومهنئاً بأول يوم العيد، فيقول لك بكل برود : العفو خويه، ترى اليوم مو عيد !

قد يقول لي البعض: ألست علمانياً، ويسارياً، فمالك ومال المذاهب والأعياد والاختلافات، فأقول له :

نعم أنا علماني ويساري بل وشيوعي أيضاً، لكني في الوقت ذاته أعتز وأفتخر  بأهلي وعشيرتي وبلدي ومذهبي الشيعي، فمن المعيب ان يتخلى المرء عن جذوره وأصوله وأهله، لكن بشرط ان لا ينحاز لهم في كفة الباطل، ولا ينصر أحداً منهم على مظلوم .. لذلك أنا فرح بهذا الإتفاق الجميل، متمنياً أن يكون توافقاً أبدياً دون رجعة، فقد سئمنا من الفرقة والتقاطع الذي وصل أحياناً حد الإقتتال للأسف ..

وأخيراً دعوني أختم المقال بهذه الحكاية ( اللطيفة) التي مر عليها أكثر من ستين عاماً، حين كان يعيش معنا في ناحية كميت بمحافظة العمارة، الصائغ ( عمارة الصبّي )، وهو الصابئي الوحيد في الناحية.. وقد كان عمارة طيباً جداً، ومحبوباً جداً، لذلك كان كل أبناء كميت يعاملونه كما يعاملون أي واحد منهم، وللحق، فإن الرجل كان يعاملهم كما يعامل أهله وأسرته أيضاً.. فهو يحزن لأحزاننا، ويفرح لأفراحنا، حتى أن زوجته وبناته يرتدين الأسود في عاشوراء كما ترتديه امهاتنا وأخواتنا.. وكان الرجل يعيّد معنا في عيدي الفطر والأضحى، فيقفل محله مثلما يفعل آباؤنا، ويعطينا (العيدية) والكليچة، كما أن ولديه اللذين كانا بأعمارنا، يعيدان معنا دون أي إحساس بالتمييز  أو  حتى التفكير بأن هذا العيد ليس عيدهما. وطبعاً فقد كانت ناحية كميت ( شيعية ) من الباب الى المحراب.. لذلك فإن العيد لن يعلن فيها إلا بعد ورود ( البرقية ) من النجف، وقد كنا نتأخر يوماً أو  يومين عن عيد الحكومة أحياناً.. وهنا أذكر في أحد الأعياد تأخر وصول البرقية، فتأخر وصول العيد الينا، لكن أبي وبعض الآباء في الناحية رأفوا بنا وسمحوا لنا بارتداء ملابس العيد الجديدة، والخروج إلى المراجيح واللعب، وفجأة انتبه والدي الى غياب ولدَي ( عمارة الصبي )، فسألنا عنهم وعن سبب عدم اشتراكهم معنا في اللعب والبهجة ومرافقتنا إلى مراجيح العيد ؟ 

لكن والدي رحمه الله، لم ينتظر جوابنا، فمضى إلى جارنا الصابئي العزيز، ليسأله عن سبب غياب ولديه.. فكان جواب الرجل مفاجئاً لوالدي حين قال له: لا خويه ما أخليهم يعيدون إلا توصل البرقية من النجف ..!

فضحك والدي وقال له: عمي صدگ چذب، خلي الفروخ يعيدون ويه ربعهم وأخوتهم .. هسه البرقية المباركة عود تجي بعدين !!