بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
قبل أكثر من سنة، شاركت في المؤتمر العاشر للجمعية العراقية لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية الذي عقد في مدينة ديترويت. وفي عودتي بالطائرة، جلس أحد الأشقاء اليمنيين في المقعد المجاور لمقعدي .. ولأن الأخوة اليمنيين الكرام معروفون بحب الفضول، فقد بادرني الأخ اليمني بالسؤال قبل ان تتزحزح الطائرة من مكانها على الأرض، وفي الحقيقة فإنه لم يكن سؤالاً واحداً فقط، إنما كان دُزِينة من الأسئلة، أطلقها دفعة واحدة، من بينها: في أي ولاية تقيم، وكم ولد وبنت لديك، وما هو سبب زيارتك لمدينة ديترويت، وماذا تعمل، وغيرها من الأسئلة، التي أجبت عنها جميعاً - بدون ترك -!.. لكن الرجل لم يكتف بطرح تلك الأسئلة، إنما راح يشتق اسئلة جديدة من أجوبتي، فمثلاً اشتق سؤالاً من جوابي عندما قلت له ( أعمل صحفياً)، فقال لي: وهل الصحيفة ورقية أم إلكترونية، يومية أم أسبوعية، و هل تصدر في العراق أم من أمريكا، وما دورك فيها، وكم هو راتبك، وهل يكفي راتبك لوحده بإعالة أسرة مثل أسرتك وغيرها من الاسئلة. ولأني أحب اليمنيين، وأن اسئلته بريئة لا تهدف إلى غاية معينة، فضلاً عن أني كنت بمزاج رائق جداً، فقد أجبت على أسئلته بطيب خاطر، ودون ملل أو ضيق أو غضاضة.. وبمجرد أن انتهى المضيف من قراءة تعليمات السلامة حتى التفت لي ابو عبد الله - وهذا هو اسمه - قائلاً : الطريق طويل يا أخي، وثق أنه لن ينقضي إلا بالمحادثة لذا أرجو أن لا تنزعج من اسئلتي ! قلت له : بالعكس، أنا أود ذلك، فخذ راحتك وتفضل. قال: في البدء أحب أن أسالك: هل أنت ( فنان) ! ابتسمت وقلت له: لا لست فناناً. ولكن لماذا تصورتني ( فنان)، وما الشيء الذي جعلك تعتقدني ذلك ؟ قال: حدس ..مجرد حدس. قلت له: أنا لست فناناً كما قلت لك، لكني لست بعيداً عن عالم الفن، فأنا أكتب الشعر، والنصوص الغنائية. فصاح بفرح طفولي: يعني أنا لم أخطأ، وتخميني صحيح.. فأنت شاعر، والشاعر فنان بالضرورة. قاطعته وقلت: أنا أكتب الشعر، ولا أعرف إن كنت أستحق صفة (شاعر) أم لا، وهل أكتافي الشعرية تتحمل ثقل هذه الصفة، بما فيها من مسؤولية أدبية وأخلاقية وابداعية كبيرة. لم ينتظرني أبو عبد الله كي أكمل تعليقي، حتى باغتني بسؤال، قائلاً: ما حكايتكم أيها العراقيون مع الشعر، فكلكم شعراء ومحبون له، كبيركم يقرضه، وصغيركم يحفظه، ونساؤكم لا يقلن إبداعاً عن الرجال بنظمه .. وكأنكم خلقتم للشعر دون غيره" !.. أعجبني كلام الأخ اليمني، وأحببت أن أواصل العزف معه على ذات النغمة.. فقلت له: نعم نحن خلقنا للشعر، والشعر خلق من أجلنا، ارتبط بنا، وارتبطنا، به ليس لأنه ترف أدبي أو قيمة وجاهية مضافة .. بل لأن علاقتنا مع الشعر علاقة روح ولغة وحياة وانتماء، وجينات متوارثة، وثقافة يومية لا تنقطع جيلاً بعد جيل.. نحن لا نقرضه ونكتبه فحسب، إنما نحن نتنفسه، ونعيشه.. فهل تصدق مثلاً لو قلت لك إن الشعر يجري في عروقنا كما تجري الدماء فيها، وإن أمهاتنا وآباءنا في الريف أو المدينة أو الأهوار كانوا وما زالوا يستخدمون الشعر باعتباره لغةً أولى وأبجدية أساسية في حياتهم، وتعاملهم اليومي وكفاحهم الشريف. فالشعر أداتهم في الحب والحرب والسلام والفخر، ووسيلتهم في مواجهة الحزن والألم، وفي ترجمة الفرح والتعبير عنه.. وقد يستغني العراقيون عن أي شيء إلا الشعر .. ثم أكملت حديثي وقلت له : مثلما الشعر الفصيح لغة الحياة والإبداع في المجالس الثقافية الخاصة، فالشعر الشعبي يعد بحق متنفساً للناس البسطاء، والمتعلمين على حد سواء، حتى أصبح لسان حال كل العراقيين في التعبير عن معاناتهم، وتطلعاتهم، وأحلامهم، ومواقفهم اليومية، يتداولونه كأمثال وحكم وإشارات في البيوت والمضافات، والدواوين، وبات يتناقله الصغار قبل الكبار، محولين القصائد إلى جزء من تفاصيل معيشتهم وحياتهم .. لقد كانت أمي رحمها الله، تخاطب بناتها بأبيات من ( الدارمي) - وهو نوع من الشعر الشعبي العراقي الذي يسمى بشعر البنات .. ومثل أمي كانت هناك الآلاف من الأمهات اللائي يتعاملن يومياً بأبيات الشعر، وكأن الشعر أصبح وسيلتهن الوحيدة والأمينة في التفاهم والمخاطبة والشكوى والرجاء والدعاء، لذلك ليس غريباً أن يتقدم العراق شعرياً على كل بقاع الدنيا، ولا غريباً ان يلقبه العرب بلد الشعر والشعراء خاصة وأن علاقة العراقيين بالشعر متجذرة في أعماق التاريخ، تمتد لآلاف السنين أي منذ ملحمة جلجامش حتى اليوم.. وليس غريباً أن يكون المتنبي الخالد، والجواهري الكبير عراقيين، وأن تنبثق قصيدة الشعر الحديث من العراق، ويكون فرسانها السياب ونازك والبياتي وسعدي يوسف، وغيرهم، ولا غرابة ان يكون جيفارا الشعر مظفر النواب عراقياً. وكم تمنيت أن أحدثك عن يوسف الصائغ وحسب الشيخ جعفر وعلي جعفر العلاق وسرگون بولص وكاظم الحجاج وآلاف النجوم اللامعة في سماء الشعر السبعيني والثمانيني والتسعيني وما تلاهم من الأجيال اللاحقة. لكن الوقت لن يسمح لذلك دون شك، كما لن أستطيع الحديث عن أقمار الشعر الشعبي العراقي، بدءاً من الأجيال الفذة التي سبقتنا، مروراً بشعراء جيلي الموهوبين الذين قادوا قطار الشعر إلى محطة الجمال الباذخ، بعد أن مشوا على سكك المغامرة المختلفة عن السكك السابقة.. وليس انتهاءً بشعراء الأجيال اللاحقة و الجديدة، لأنك ستحتاج حتماً لرحلة طويلة ووقت طويل جداًِ، رحلة تكفي لذكر جميع الشعراء الشعبيين العراقيين اللامعين إبداعاً وموهبة وتفرداً، وليس هذه الرحلة القصيرة التي لن تستغرق أكثر من أربع ساعات .. !وكي تعرف علاقة شعبنا بالشعر، أقول لك صادقاً وباختصار شديد، إن في كل دقيقة، تكتب في العراق قصيدة جديدة ..! هنا لم يكتم الاخ اليمني صرخته فصاح بصوت عال: واو ، أحقاً تكتب في بلادكم قصيدة جديدة كل دقيقة؟ قلت: نعم، وربما أكثر من قصيدة واحدة، لأن في العراق ملايين الشعراء !! قاطعني قائلاً باستغراب: ملايين الشعراء ؟! قلت: نعم، لأن في كل بيت عراقي شاعراً، سواء أكان يكتب بالفصحى أم ينظم بالعامية، محترفاً الشعر، أم هاوياً، أم غاوياً، ولا يختلف الأمر إن أكان يسكن في الريف أم المدينة،، ناهيك من أن الأمر سيان، إن كان الشاعر عربياً أم كردياً أم تركمانيا أم كلدا آشورياً .. قال لي والدهشة تمسك بتلابيب محياه : أحقاً أن هناك شعراء أكراد في العراق؟ قلت: طبعاً هناك شعراء كرد في العراق كبار، يستحقون بتميزهم وشاعريتهم الفذة مكانة عالمية متقدمة، أمثال: الشاعر الكردي التقدمي الكبير عبد الله كوران، الذي يعد رائد حركة التجديد في الشعر الكردي الحديث، والشاعر الجميل شيركو بيـكـس، الذي أحب شعره جداً، فهو واحد من أعمدة الشعر الكردي المعاصر، بل هو الشاعر الذي أحدث ثورة في " قصيدة النثر" الكردية. وهناك غيرهما شعراء كثر يبدعون في ميادين الشعر الكردي وغير الكردي..لذا فإن حكايتنا - نحن العراقيين - مع الشعر حكاية طويلة لن تنتهي بعد ألف عام ..! وحين أعلن عن وصولنا إلى مطار ساندييغو، وقبل أن نغادر الطائرة، قلت لرفيق رحلتي اليمني مستدركاً: أنا قلت لك إن في كل بيت عراقي شاعراً محترفاً أو هاوياً أو غاوياً، لكني لم أقل لك إن في كل دفتر من دفاتر الشباب والشابات في العراق، قصيدة حب (عزيزة) يحتفظ بها صاحب او صاحبة ذلك الدفتر .. ألم أقل لك يا أخي إن الشعر يجري في عروقنا..
*
اضافة التعليق
( عمارة الصبي ) .. وبرقية النجف
شكراً أبا مصطفى
مفيد الجزائري يخرج عن النص، ويغرّد خارج ( سربهم )
لامين يامال فتى بألف رجل .. !
لماذا يفوز فريق برشلونة، ويخسر ريال مدريد ؟
لقد كسروا ( عين ) العراق يا أبا فرات..