لامين يامال فتى بألف رجل .. !

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

عندما تحب الحياة شخصاً ما تعطيه كل شيء.. النجاح والتوفيق والعافية والمال، والشجاعة والثقة بالنفس، والإيمان، وحب الناس .. وتلهمه الإنجاز والإبداع وفرص التقدم والقيام بأعمال فذة .. ولعمري فإن كل هذه النعم القدرية قد وهبتها الحياة للفتى الفذ لامين يامال ..

فمن كان يظن أن هذا الفتى الفقير سيحقق إنجازات عظيمة، ويقوم بأعمال استثنائية وهو في الثامنة عشر من عمره؟، فأنا لو لم أرَ  ذلك لما صدقت قطعاً.

فمن الناحية الفنية الكروية هناك الكثير من النقاد والمتخصصين يعتبرون لامين يامال أفضل جناح في العالم، بل أن ثمة من يعتبره أفضل لاعب في الكون وليس افضل جناح فقط.. ويامال ليس موهوباً في المراوغة العجيبة التي يستطيع فيها ترقيص ثلاثة لاعبين وربما أربعة وخمسة بسهولة فحسب، ولا حتى في أسلوبه الفذ وطريقته العجيبة بتسجيل الأهداف من مناطق وزوايا صعبة فحسب، ولا في صناعة الأهداف وتقديم الكرات (المقشرة) لزملائه على طبق من الفن والروعة والسحر والسهولة فقط، إنما موهبته الكروية تكتمل بأفعاله وأعماله الجريئة الأخرى، وتتجمل قدراته الفنية بسحر شخصيته وثقته بنفسه رغم صغره..

ربما يقول البعض إن هناك لاعبين أفذاذاً في مسيرة الكرة العالمية برزوا وهم بعمر يامال مثل البرازيلي بيليه والأرجنتيني ميسي وغيرهما.. وأنا أقول نعم إن هذين اللاعبين الكبيرين قد سطع نجمهما وهما في السابعة عشر من عمريهما لكن بيليه وميسي لم يكونا ذا ثقل خارج الملعب، بل ولم يكونا ذا شأن يوازي شأنهما داخل الملعب.. عكس يامال الذي أثبت أنه شخص مهم داخل وخارج الملعب، ومؤثر في الحياة العامة بذات تأثيره داخل المستطيل الأخضر، فهو مثلاً يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يفجر هدوء الساحة الإعلامية بتصريح ( ناري ) تدوخ به الأوساط الرياضية الإسبانية وحتى الأوربية لمدة شهر .. إنه باختصار صاحب بصيرة ورؤية ناضجة، وعقل واع، وفكر أكبر من عمره وعمر زملائه الرياضيين .

وحتماً فإننا لم ننسَ موقف يامال الغاضب بشدة من الهتافات العنصرية المعادية للإسلام التي صدرت من بعض الجماهير الإسبانية خلال المباراة الودية التي جرت بين منتخبي مصر وإسبانيا في نيسان 2026، والتي أكد فيها يامال اعتزازه بهويته الدينية بقوله: 

" أنا مسلم، والحمد لله " واصفاً تلك الهتافات بأنها "قلة احترام" وسلوك غير مقبول، مشيراً إلى أنها تعكس جهلًا وعنصرية قبيحة.. وقد جاء هذا التصريح عبر بيان نشره يامال في حسابه .. لقد تحدث الفتى الصغير يامال في الوقت الذي ( صمت ) فيه الكثير من ( الرجال)، ولم يكتف بذلك البيان بل خرج غاضباً من الملعب دون أن يقف مع زملائه لاعبي المنتخب الإسباني لتحية الجماهير .. كل هذا وهو لم يصل سن البلوغ بعد، بل وقادم من أصول وجذور عربية، لا سند لها تتكئ عليه في إسبانيا، ولا ( ظهر ) يحميها من الزمن، ورغم ذلك فقد فعل يامال بهذه الواقعة الجريئة ما لم يفعله أحد غيره في إسبانيا.

لم يتوقف يامال عن صناعة الأحداث الرائعة والشجاعة بعد موقفه من الجمهور الإسباني العنصري، فهذا الفتى كما يبدو خلق لكي يكون رأس السطر وليس نقطة في آخر السطور .. 

فها هو يفعلها مرة اخرى مساء الإثنين الماضي وينتصر لفلسطين، حين قام منفرداً برفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه بالتتويج عقب حسم لقب "لا ليغا"، حيث حمل يامال العلم الفلسطيني، على متن الحافلة المكشوفة التي احتفلت بالفريق وسط مدينة برشلونة، وسط أجواء احتفالية شهدت حضورا جماهيريا كبيرا.

وقد أثار لامين يامال تفاعلاً واسعاً، ودعماً وتأييداً عربياً وغير عربي كبيراً على مواقع التواصل الاجتماعي بمجرد نشر الصور والفيديوهات..

وبالمقابل، فقد شنت وسائل إعلام وحسابات إسرائيلية حملة هجوم واسعة ضد لامين يامال، بسبب رفع العلم الفلسطيني، إذ وجّهت له صحف ومواقع ومحطات  وحسابات اسرائيلية اتهامات  بمعاداة السامية.

وقد بدأ الهجوم الصهيوني مباشرة بعد نشر صور ومقاطع فيديو ليامال بالعلم الفلسطيني في أعقاب مراسم التتويج.

وطبعاً فإن الفعل الجريء الذي قام به يامال لم يكن  اعتباطياً أو  ارتجالياً، إنما كان محسوباً بدقة، فقد وجد هذا الفتى أن الخسائر المالية وغير المالية التي سيتعرض لها بسبب موقفه هذا لن تكون أكبر مما سيتحقق لشعب فلسطين وشعب غزة من دعم وتأييد في هذه الظروف القاسية جداً. فهو يعرف  أن الكثير من الشركات التجارية ستلغي تعاقداتها الدعائية والتسويقية معه، ويدرك  أن عدداً من الكيانات والمصادر الراعية ستسحب رعاياتها منه ومن نادي برشلونة أيضا.. وهو يعرف كذلك أن موقفه هذا سيجعله مكشوفاً أمام الطوب الإعلامي الصهيوني الشرس والمتنفذ عالمياً، والذي لن يقف مكتوف الأيدي إزاء جرأة هذا الولد وجسارة موقفه الداعم لفلسطين.. كما أن يامال يعرف أن رفع علم فلسطين في احتفال كبير تراه نصف الكرة الأرضية، لن يمر مرور الكرام على هؤلاء القوم اللئام، وقد يؤثر ذلك على مستقبله الكروي وعلى نيله الجوائز العالمية مثل الكرة الذهبية وغيرها..لكنه لم يأبه لذلك ولم يهتم لما سيحدث..

وهذه لعمري قمة الروعة والفروسية والإنسانية وذروة التضحية والإيثار  من أجل حرية الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة والعادلة.. 

ولعل الإمتياز الأهم برأيي، أنه قام بهذا الفعل المميز دون أن يفعله غيره من كبار رجال العروبة والإسلام، متحملاً النتائج لوحده ..!  

ختاماً لا أملك إلا أن أقول بصوت عال وضرس قاطع :

يروحولك فدوة يا يامال ..!