العريف عليوي واشتراكية خير الله طلفاح ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

في تشرين الأول عام 1975 التحقت بخدمة العلم، وقد سُقْتُ جندياً مكلفاً من تجنيد العمارة الثانية إلى كتيبة مخابرة الفرقة العاشرة في معسكر التاجي ببغداد.. وقد سيق معي في نفس الكتاب ومن نفس دائرة التجنيد، أكثر من مائتي جندي مكلف، أدخلنا في دورة تدريبية مكثفة .. 

وأذكر أن المسؤول عن تدريبنا وتعدادنا وواجباتنا كان العريف عليوي.. وعليوي رجل بسيط، بالكاد يفك الحرف، محدود الأفق والتفكير، لا يفهم من لغة الحياة سوى المفردات العسكرية وقضايا الضبط والربط.. يقضي يومه من أول الصباح حتى المساء داخل الكتيبة.. ولأنه يسكن مع عائلته في دار صغيرة تقع داخل معسكر التاجي، فهو لا يغادر المعسكر أبداً، ولا يرتدي الملابس المدنية إلا في المناسبات والأعياد.. بمعنى أن حياته كانت عبارة عن تدريب وواجبات وسر الليل، وضرب قصعة، حتى أنه لا ينام أكثر من اربع أو خمس ساعات في اليوم كما يقول هو شخصياً .. 

كان عريف عليوي يبغضني ويمقتني بدون سبب يذكر، فكان يكلفني بأتعس المهام ويضعني في أصعب نوبات الحراسة، ويشدد كثيراً حد المبالغة بتفتيش قيافتي، وتلميع بسطالي. والأسوأ عندي كان مسير ال (يس يم ) في ساحة العرضات صباحاً، إذ كنت الوحيد الذي يحظى ( برعاية ) خاصة من العريف عليوي ! فهو مثلاً يصرخ باسمي ألف مرة في اليوم : فالح حسون إمشي عدل.. فالح حسون بدل رجلك .. فالح حسون خربطت النسق، فالح حسون خربت المسير.. !ولعل الغريب في الأمر أن عليوي يعرف أني الأفضل في الدورة، مسيراً، وقيافةً وهنداماً، والتزاماً، وضبطاً وربطاً، كما كنت الأفضل والأسرع في عملية تفكيك وتركيب البندقية، رغم أني لم أمسك سلاحاً قط قبل التحاقي بالجيش.. وأظن أن المفارقة التي تستحق الذكر، ان العريف عليوي أطلق صوته عالياً في أحد الصباحات التدريبية وهو يقول: يمعود فالح حسون أمشي عدل، بدل رجلك .. مو خربطته للفصيل !!

فصاح عليه الجنود بصوت واحد: عريفنا، فالح اليوم مجاز ، وما موجود ..!

فأجابهم وهو يحاول أن يغطي على فضيحته: أعرف أعرف هو مجاز اليوم، بس فالح حسون يخرب المسير حتى لو ما موجود  !!

فقال له احد الجنود ساخراً: عريفنا الله يخليك، شلون يخرب ال ( يس يم)، ويخربط المسير ، إذا هو مجاز ، وگاعد عند أهله ؟!

فقال له عليوي: أسكت لا تحچي من كيفك، والله كل هاي الخربطة اللي بالمشي، صوچ فالح حسون !! 

لقد تذكرت حكايتي مع العريف عليوي اليوم،وأجزم أن الكثير من جنود الدورة الذين قدموا معي من تجنيد العمارة إلى كتيبة مخابرة الفرقة العاشرة آنذاك، يتذكرون هذا العريف، ويتذكرون اتهاماته الظالمة والباطلة لي. 

نعم، تذكرت قصة عريف عليوي وظلمه، وأنا أسمع وارى اليوم بعض الخطباء- وأكرر بعض الخطباء - الذين يستغلون قدسية وحصانة وسماحة المنبر الحسيني، وبقية المنابر الدينية الأخرى، لاستهداف البعض من الناس، والإساءة إليهم دون حق، فتراهم يخوضون في ذمم واعراض الكثير من الأبرياء، ويرمونهم بتهم أشبه بتهم العريف عليوي الباطلة، بل أنهم يحرضون على قتلهم بشكل مباشر أو غير مباشر، وهم يدركون أن تلفيق التهم الظالمة للناس تعد جريمة أخلاقية واجتماعية ودينية، بل هي من كبائر الذنوب والخطايا. 

لذلك شددت الشريعة والقوانين على خطورتها .. 

ومثال على هذا التحريض، وهذه التهم الباطلة، ما يتعرض له المواطنون الشيوعيون، والعلمانيون، و اليساريون، والمدنيون، من قذف وظلم واتهام باطل، بدءاً من اتهامهم بالإلحاد والكفر والزندقة، مروراً بالتشكيك الظالم بقيمهم وأخلاقهم وعقائدهم، وانتهاء بتحميلهم أخطاء ونكسات وخسائر فادحة ارتكبتها الأنظمة السابقة، التي لم تكن يوماً أنظمة شيوعية او يسارية قطعاً.. ولعل المضحك المبكي أن يلقي البعض مسؤولية تردي الأوضاع السياسية والإقتصادية والاجتماعية والتعليمية والأمنية على عاتق الإشتراكية في العراق، وكأن الأنظمة السياسية وغير السياسية التي مرت على العراق، كانت أنظمة اشتراكية، ماركسية لينينية !

والملاحظ أن الحماسة التسقيطية لهؤلاء الخطباء، تزداد جداً، كلما رأوا اندفاع الشباب والنساء نحو ينابيع الثقافة التقدمية، و اقتراب الفقراء من نهر الوطنية، والقيم الفكرية والطبقية السامية، المتمثل بالحزب الشيوعي العراقي، فتزداد الحماسة شراسة وتسقيطاً حين يرتوي المحرومون والكادحون من عيون الفكر الاشتراكي الصافية، العذبة.

 وعلى الخط ذاته رأينا كيف يمشي بعض ( الأفنديَّة) من الذين تقيأتهم أمريكا، وزاعتهم من جوفها لتقذف بهم نحو العراق، ويتصدروا الحملة العدائية الظالمة ضد القوى الإشتراكية واليسارية الوطنية، وكيف صاروا أبواقاً لبعض القوى والتيارات المشبوهة المرتبط بعضها بالصهيونية مستغلين قبح وجوه هؤلاء الطبالين، و صلافتهم، ووساخة ألسنتهم، ونشاطهم المحموم بنشر قذارة هذه الحملة الوسخة المدفوع ثمنها، و التي تدار بين فترة وأخرى ضد الفكر الإشتراكي والرموز الوطنية والشيوعية المضيئة. 

ولعل الأخطر في هذا الأمر، دخول بعض المسؤولين  العراقيين من هذه البوابة، فراحوا للأسف، يتمنطقون ضد الإشتراكية والفكر الاشتراكي، ويدّعون إدعاءات أقل ما يقال عنها: مضحكة.. !!

والمصيبة أن هؤلاء لم يتعرفوا يوماً على الفكر  الإشتراكي العلمي، ولم يقرؤوا سطراً واحداً من كتاب الإشتراكية، حتى أن بعضهم لايفرق بين فائض القيمة، و ( فائض التمن ) !

 وكم تمنيت لو أن هؤلاء قرؤوا، وأدركوا،  أن الأنظمة والحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة حتى اليوم، لم تكن اشتراكية قط، ولم تعرف معنى وشكل النظام الإشتراكي قطعاً، حتى أن بعض هذه الأنظمة حاربت الإشتراكية حرباً دموية شعواء، بل وعلقت العناصر والرموز الاشتراكية على أعواد المشانق، فأية اشتراكية هذه، اللهم إلا إذا اعتبرنا عزت الدوري، مفكراً ماركسياً، و جهبذاً اشتراكياً، وأعتبرنا ( نظام ) الدروشة، والتكايا، والضرب بالشيش، وغرس السيوف بالأجساد، الذي يرعاه ( أبو أحمد )، كان نظاماً اشتراكياً علمياً؟ا

وللتبسيط أوضح لمن لا يعرفون الأمور في السياسة

 : إذا أردتم أن تميزوا بين الإشتراكية وما يعاكسها و يضادها تماماً، فاختصروها بمثال المقارنة بين الوزير الأسبق مفيد الجزائري، و(بطل القرن) نور زهير .. فالفرق بين الرجلين يعادل الفرق بين الاشتراكية العلمية واشتراكية خير الله طلفاح.. مع كل الإعتذار للرفيق مفيد الجزائري ..