بطانيات ( جماعتنا ) ودولارات ( ترامب)  وجهان لعملة فاسدة ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

لم يفاجِئ الرئيس ترامب، الأمريكيين، و شعوب العالم فقط، بمنحه كل مواطن أمريكي، مبلغ 5000 دولار ( رشوةً ) في حال فوز مرشحي حزبه الجمهوري في ( انتخابات النصف )، واستكمال سيطرته على الكونغرس الأمريكي، إنما فاجأ أيضاً مسؤولي إدارته وحزبه وحلفائه قبل غيرهم، وما فعله ترامب يوم الخميس يعد سابقة لم يحدث مثلها في تاريخ أمريكا منذ نشوئها حتى اليوم.. الأمر الذي أدى إلى حالة من الاستنفار والقلق داخل صفوف الحزب الجمهوري، ومؤسسات الدولة .. فضلاً عن ردود الأفعال المعارضة والقوية التي صدرت عن قياديين وأعضاء بارزين في الحزب الديمقراطي المنافس، وشخصيات معروفة في المنظمات الأمريكية الأخرى..

وقبل أن نتحدث عن آثار الصدمة التي سببها تصريح ترامب في الشارع الأمريكي، الذي لم يعتد على مثل هذه الرشاوي العلنية، أو  التصريح بهذه الطريقة المفضوحة والوقحة- كما وصفها أحد قياديي الحزب الديمقراطي -، لا سيما وأن القانون الأمريكي يمنع الرشوة السياسية باشكالها المختلفة، ويحرم استخدام المال السياسي غير المرخّص والمسموح به .. كذلك المجتمع الأمريكي فهو يرفضها أيضاً بقوة.. 

فالصدمة برأيي حصلت بسبب الثقافة الأمريكية التي تعتبر تقديم الرشاوي السياسية، عيباً أخلاقياً واجتماعياً يتوجب تحصين المواطن الأمريكي من الوقوع فيه.. فهي ترى أن مثل هذه العيوب السياسية والاجتماعية تنحصر في مجتمعات دول العالم الثالث، وليس في أمريكا، الدولة الديمقراطية التي تحترم القانون بل وتقدسه كما يشاع دائماً ..! 

ومما زاد في الأمر دهشة أن الرشوة لم تأت من قبل مرشحين مغمورين، ولم تحدث خلف الأبواب المغلقة، كما هو معروف في الأنشطة السياسية، إنما تمت بشكل علني، وعلى لسان رئيس الجمهورية، وأمام أنظار العالم كله .. 

وهنا يحضرني سؤال، وأنا أرى أمامي فضيحة (رشوة) ترامب، والسؤال هو : ماذا أبقى زعيم ( دولة العدالة والديمقراطية)، لسياسيي دول العالم الثالث، من بلاوى و (طراگيع) فظيعة؟!

وما الفرق بين منح البطانيات والصوبات، والهدايا الاستهلاكية، والسلال الغذائية، و(ظروف) الأموال النقدية، وكارتات شحن الهواتف المحمولة، وتقديم المنافع الخدمية، ووعود التعيينات الوهمية، وتوزيع محولات الكهرباء، وتعبئة الشوارع بالحصى، وتبليط الطرق بـ (السبيس )، وغيرها من الرشى التي تقدم قبيل أيام من الانتخابات العراقية، خاصة في الأحياء الفقيرة والمناطق الزراعية، كوسيلة لشراء الأصوات وكسب التأييد .. وبين الخمسة آلاف دولار التي يقدمها ترامب كرشوة انتخابية في أمريكا.؟ والجواب: الرشوة هي الرشوة.. واستخدام المال في عملية كسب الأصوات الانتخابية، لا يختلف سوى بقليل بين العراق وأمريكا، مادام الهدف الوسخ في الحالتين هدف واحد، و الوسيلة القذرة، هي ذات الوسيلة، حتى لو اختلفت أنواع هذه الوسيلة وأشكالها وقيمتها !لكنّ ثمة فرقاً واضحاً أراه بين الحالتين الأمريكية والعراقية، وهذا الفرق يتمثل في ( ردة الفعل) على هذا السلوك الفاسد المعيب.. ففي العراق مثلاً، تأخذ ردة الفعل طابعاً شعبياً لاذعاً، يتم التعبير عنها بأساليب نقدية وتهكمية ساخرة من قبل الشارع العراقي برمته..

 وبمرور الوقت يتحول الرد إلى مادة وفيرة للسخرية، على منصات التواصل الاجتماعي، كدليل على  غياب البرامج الخدمية الحقيقية، والاعتماد على استغلال الحاجة المادية والاقتصادية للناخبين.. !

حتى أصبحت ( الصوبة) والبطانية رمزاً تعبيرياً لهذا المرشح، او الحزب أو التيار او المنظمة السياسية دون الحاجة لذكر اسم المرشح او رقمه الانتخابي، فقد بات الناس يقولون مثلاً: تيار البطانية، أو مرشح الصوبة، أو ( تحالف ابو الخمسين ألف)، وغير ذلك. بينما ردة الفعل الأمريكية على ( رشوة) ترامب، ردة سياسية وإعلامية محسوبة. وبمعنى أوضح، هي ردة نخبوية محضة، يأتي أغلبها من فعليات ورموز عليا في الدولة والمجتمع الأمريكي، وليس من قاع الشارع، أو من طبقات المجتمع ومكوناته الشعبية المعروفة كما في بلادنا.. 

وحين أطلق ترامب وعد الرشوة خلال كلمته في مؤتمر الحزب الجمهوري المخصص لانتخابات التجديد النصفي يوم الخميس الماضي، قوبل وعده برفض المستشارين السياسيين المقربين منه، مثل جيسون ميلر وجيمس بلير، - وفقاً لتصريح مستشار سياسي لترامب - فقد ترك هذا الأمر، معظم المسؤولين في الإدارة بحالة ذهول ودهشة كبيرة، حتى أن أغلبهم أبدى عدم استعداده للتعامل مع تداعيات مقترح تبلغ تكلفته تريليون دولار ..!

وإن ثمة الكثير من أنصار ومؤيدي وداعمي ترامب، وكبار المقربين منه أعلنوا بصراحة ووضوح رفضهم لهذه الرشوة، فقد كتب (جو لونسديل)، وهو متبرع معروف للحزب الجمهوري ومقرب من دونالد ترامب، على منصة "إكس: "للتوضيح، أنا أؤيد بشدة الفوز في انتخابات التجديد النصفي، وأحب الكثير مما تقوم به هذه الإدارة، لكنني أعارض بشدة أسلوب الرشاوى القائم على إلهاء الشعب بوعود مادية سطحية.." !

وهناك البعض الذي لا يتحدث عن تكاليف مقترح ترامب فحسب، إنما يشير أيضاً إلى صعوبة تنفيذه، وصعوبة تمريره من قبل الكونغرس، حتى لو فاز الجمهوريون بالانتخابات النصفية، وهذا البعض يقول أيضاً، إن ترامب يعي جيداً خطورة مقترح وعده، واستمالة تنفيذه، لكنه لا يهتم لذلك، بقدر ما يهتم للنتيجة، فهو يريد الفوز بالانتخابات، سواء بالرشوة، او بالاحتيال على الناخبين، الذين سيصوتون لمرشحيه ولا ينالوا الخمسة آلاف دولار التي وعدهم بها.. ولم يأبه ترامب بما قيل، ويقال عنه وعن مقترحه، حتى لو جاء من شخصيات وازنة ومهمة، مثل المشرعين الجمهوريين الذين انتقدوا الفكرة في الحال، واصفين إياها بأنها " حيلة غير مدروسة تسبق انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني، حيث من المستحيل تمريرها عبر الكونغرس، فضلاً عن كونها تنتهك العديد من المبادئ الاقتصادية الجوهرية للحزب"..! 

وهناك في قاعة المؤتمر، وبين الحضور، سادت حالة من التشكيك، وعدم التصديق بوعود ترامب، لم يخفها البعض، وقد تم آلتصريح بها لوسائل لإعلام مباشرة، فمثلاً قالت (ويلما ماي)، وهي مالكة شركة صغيرة في أرلينغتون، لـ CNN في دالاس: "أنا لست من مؤيدي الحصول على أشياء مجانية. كنت أفضل أن يخصص مبلغ الـ 5000 دولار لسداد العجز المالي"

 وقال (ستيفن مور)، وهو مستشار اقتصادي لترامب: "إنه لغز يحاول الجميع كشف حقيقته، وسره من صاحب الفكرة نفسه.. فالمشكلة بإرسال شيكات للناس، تكمن في أن ذلك سيؤدي في الواقع إلى عواقب اقتصادية سلبية".

ويأتي وعد ترامب المفاجئ في وقت يواجه فيه صعوبة في احتواء حالة الإحباط المتزايدة لدى الناخبين بشأن تكاليف المعيشة وسياساته الاقتصادية؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي على مدى أشهر استياءً عميقاً لدى الأمريكيين من طريقة تعامل الرئيس مع ملف التضخم.. كما أدت الحرب المستمرة على إيران إلى تفاقم الوضع الاقتصادي العام الذي يواجهه الجمهوريون، فقد ارتفعت أسعار البنزين والديزل مجدداً وبشكل حاد في الأسابيع الأخيرة، دون وجود نهاية واضحة للأزمة في الأفق. وتزامناً مع تجمع الحزب الجمهوري في دالاس، تجاوزت أسعار النفط القياسية -سواء العالمية أو الأمريكية- حاجز الـ 100 دولار للبرميل، في حين سجل سعر الديزل مستوى قياسياً بلغ 5.98 دولار للجالون في المتوسط،.

وقلل ترامب مراراً من شأن المخاوف المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف، واصفاً، الأربعاء الماضي، هذه القضية بأنها "مفتعلة من قبل الديمقراطيين للإضرار به سياسياً"، ومؤكداً أن الولايات المتحدة تمر بـ "أنجح عامين من الناحية المالية وعلى كافة الأصعدة الأخرى".. وهو امر بات يثير الضحك والسخرية لدى العامة بالولايات المتحدة !

ختاماً أقول: إن الفاسد هو  نفس الفاسد، سواء كان في العراق او أمريكا او الواق واق، وهو نفسه، إن تحدّث بالعربية، او الكردية، او الهندية، أو الإنكليزية، أو الفرنسية، او السنسكريتية. والفساد ذات الفساد أينما كان. فاحتيال السياسيين في العراق، لا يختلف عن احتيال ترامب وغيره في أمريكا او بلدان أخرى.. والرشوة تبقى رشوةً، سواء أكانت بطانية وصوبة، او كانت (نص شدة خضره) !!