المقاومة لا ( تغتال) المقاومين.. يا شيخ المجاهدين ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

يُولد الإنسان وتولد معه فكرة عاطفية رمزية عميقة تتمثل بالمقاومة، وأقصد بذلك المقاومة الفردية، والمقاومة الجماعية، والتي تعرف عادة باسم المقاومة الشعبية.. وبطبيعة الحال فإن الشعب العراقي واحد من أكثر الشعوب إيماناً بقدسية المقاومة، ودعماً 

للمقاومين من أجل تحقيق الحرية والعدالة والكرامة والاستقلال الوطني.. ولم يكتف الشعب العراقي بدعم حركات المقاومة العربية في الجزائر وفلسطين ولبنان، بالمال والسلاح فقط، إنما أمدها بأعداد كبيرة من خيرة الشباب العراقي المتطوع، ويكفي أن أذكر أن الكبيرة فيروز غنت في عام 1974 أغنية ( وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان) تمجد فيها عملية الخالصة البطولية في أرض فلسطين المحتلة، وقائد العملية العراقي الفذ، ابن ميسان، ياسين موسى الموزاني، المعروف بلقب (أبو هادي).. كما يجب القول بأن هناك عشرات الشيوعيين العراقيين الذين انتموا أيضاً للثورة الفلسطينية عبر منظمات الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية في لبنان أواخر سبعينيات القرن الماضي، وقد استشهد عدد منهم، من بينهم الشاعر الغنائي الكبير ذياب گزار ( أبو سرحان).. و يكفي أن تزور مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية في بيروت، لترى بأم عينيك أسماء الشهداء العراقيين على شواهد هذه المقبرة.. إن مقاومة الإحتلال، ومقارعة الظلم والتمييز والاضطهاد واجب وطني وشرعي وأخلاقي، وهو حق لشعوب الأرض باستخدام كل أنواع المقاومة، بدءاً من الإضرابات والاحتجاجات و المقاومة السلمية المدنية، وانتهاءً بالكفاح المسلح ..

وليس تفاخراً أقول، إني نشأت وتربيت على قيم أسرية و( مناطقية ) وطنية تؤمن بحق مقاومة الظلم والطغيان والاستعمار، وقد قدمت أسرتي أكثر من شهيد في هذا الميدان، من بينهم شقيقي ( أبو سلام)..

ناهيك من مدينتي (الثورة) 

التي قدمت آلاف الشهداء في طريق الحرية والنضال. فأنا مؤمن بأن المقاومة لم تكن يوماً مجرد رد فعل عسكري أو سياسي عابر، بل هي فلسفة وجودية وخيار حتمي للشعوب الحرة التي ترفض الاستكانة والخضوع وبهذا المفهوم صارت المقاومة عندي، تعني  الرفض الواعي لواقع يفرضه القهر، سواء كان  القهر ناتجاً عن استعمار خارجي، أو حكم استبدادي داخلي، أو يأتي من منظومة اجتماعية واقتصادية، أو دينية جائرة.. لذلك تابعت منذ الصبا مسارات وطرق المقاومة في التاريخ مثل  المقاومة الجزائرية، التي قدمت مليونا ونصف المليون شهيد، لتنتهي بانتزاع الاستقلال عام ١٩٦٢، فعشقت منها أسماء ثورية جزائرية مثل جميلة بوحيرد

وبن بله وبو مدين وغيرهم.

كما أحببت جداً المقاومة الفيتنامية التي أصبحت نموذجاً يقتدى في الصمود بعد أن دحرت قوى عظمى متتالية (فرنسا ثم الولايات المتحدة)، وبرهنت على أن الإرادة الشعبية تتفوق على التفوق التكنولوجي الهائل. أما مقاومة " غاندي " في الهند، فقد باتت نموذجاً فريداً، بعد اعتمادها مبدأ العصيان المدني، ومقاطعة البضائع البريطانية، فتمكنت من شلّ قدرات  الاستعمار، وأجبرته مكرهاً على الجلاء.. ولا أنسى أن امر على المقاومة الشعبية ضد الفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية، والتي تحولت إلى واجب أخلاقي وقومي لإنقاذ أوروبا من التمدد النازي والفاشي.

خاصة المقاومة الفرنسية التي قادها "شارل ديغول"، حيث ساهمت في إنهاك القوات الألمانية وتسهيل تحرير فرنسا.. وحتماً فإن الحديث عن المقاومة السوفيتية واليوغوسلافية يطول ويطول لو يسع له المجال، فهي التي خاضت حرب (عصابات) شرسة خلف خطوط العدو النازي، وشكلت نزيفاً مستمراً لجيوش المحور، فعجلت بسقوط أسطورة الفاشية..

وهناك تجارب مميزة أخرى للمقاومة، لكني أريد الحديث بإعجاب كبير عن تجربة المقاومة اللبنانية، سواء في نسختها الأولى: أي النسخة العلمانية، التي بدأت ضد الاحتلال الإسرائيلي قبل تأسيس حزب الله، وكانت المقاومة وقتها قد بدأت بتشكيلات وطنية ويسارية وقومية، و حركة أمل، حيث انخرطت جميعها بالعمل المسلح والشعبي منذ ستينيات وسبعينيات القرن العشرين وتصاعدت بشكل واسع، فقد بدأها مبكراً الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي، إضافة إلى التنظيمات الناصرية والقومية السورية..فقدمت هذه القوى تضحيات كبيرة عبر مواجهة الاحتلال الصهيوني في الجنوب.. وفي نسختها الثانية، أي بعد دخول حزب الله على خط المقاومة، حيث لعب الحزب دوراً مركزياً حاسماً بالمقاومة المسلحة التي أدت لانسحاب إسرائيل من معظم أراضي جنوب لبنان وبقاعها الغربي في 25 أيار 2000 دون قيد وشرط، بعد أن اعتمد الحزب حرب العصابات، والعمليات الاستشهادية ضد المواقع الإسرائيلية في الجنوب، فاستمرت هذه العمليات المركزة لسنوات، مما أثقل كاهل الجيش الصهيوني، وزاد من خسائره البشرية والمادية، فاضطر لإعلان الانسحاب التام من لبنان، وأصبح يوم 25 / أيار عيداً وطنياً عُرف بيوم التحرير. وأجزم أن الكثير من القراء  يعرفون بالأسماء والأرقام حجم تضحيات حزب الله بمواجهة المد الصهيوني.

لقد خضت هذه السردية الطويلة عن تاريخ المقاومة لا من أجل الاستعراض، إنما لإزالة الغبار عن وجه وتاريخ المقاومة العالمية بشكل عام، والمقاومة العراقية بشكل خاص، لأني وجدت أن ثمة من يسعى لاستغلال أي حدث، أو تصريح سلبي، أو خطأ ما، لتشويه حقيقة صورة المقاومة العراقية الناصعة، تلك المقاومة التي أرعبت الدكتاتور صدام في عملية الدحيل وكسرت غطرسة ابنه المعتوه في وثبة منطقة المنصور،

وتمريغ أنف أخيه الأرعن  في الهجوم المدوي على (وزارة الداخلية). فالمقاومة هي المقاومة، وأنا مازلت أرى صورتها في وقفة الشاعر المبدع، والشاب الجميل علي رشم، وهو يرمي الكاميرا والورق والقلم، ويحمل بندقيته، ملتحقاً بفصائل المقاومة الإسلامية، ليقاتل دفاعاً عن أرض العراق الطاهرة ضد عصابات داعش الإجرامية، حتى الرمق الأخير، ويعود به رفاقه، لأمه معطراً بدماء الشهادة والشرف والبطولة

فعلي رشم والآلاف الذين مثله لم يستشهدوا من أجل مكسب مادي، أو امتياز معنوي، إنما ذهبوا لأجل تطهير أرض الوطن من دنس الدواعش الأوعاد

نعم هكذا أرى المقاومة، وهكذا أحسبها في مخيلتي، 

لذلك فإني دهشت، حين أعلن شيخ المجاهدين (أي شيخ المقاومين) هادي العامري، بأن فصائل المقاومة حمت العراق من “فتنة تشرين”، في إشارة إلى مشاركة المقاومة في مواجهة احتجاجات تشرين الأول 2019، والتي أسفرت عن استشهاد المئات من المتظاهرين وجرح الآلاف، أغلبهم من شباب وشابات بغداد ومحافظات الوسط والجنوب، جاؤوا للمطالبة بإنهاء الفساد، وتحقيق الاصلاح، وضمان العدالة واستقلال القرار العراقي .

إن استشهاد أكثر من 650 متظاهرا وجرح نحو 20 الفا، بسلاح المقاومة - حسب تصريح العامري- امر لايدعو للاستغراب فقط

إنما يدعو للتوقف والتأمل والسؤال أيضاً، فهؤلاء الشهداء لم يكونوا بعثيين، ولا أبناء السفارات كما يروج عنهم، بل هم أبناء أسر وعوائل وطنية، قدمت عشرات الآلاف من الضحايا في مواجهة نظام صدام حسين الدكتاتوري، وقد أتوا إلى ساحات الحرية بحثاً عن وطن آمن يسعهم، ويسع أحلامهم البسيطة.

لذا فإن تصريح الحاج هادي العامري، يمكن أن يقرأ من وجهتين، وجهة يمكن قبول وتصديق ما ادعى به العامري، بمعنى أن الأمر قد حصل فعلاً.. وهنا يتوجب على المقاومة التي أعرفها وأدافع عنها باستمرار، أن تقول رأيها، وتحسم أمرها في هذا ( الاتهام) الخطير، الذي لن يشجع أحداً مثلي بعد اليوم على الدفاع عنها، وعن نصاعة وجهها، وشرف بطولاتها، وتضحياتها التي لا تعد ولا تحصر.. أما الوجهة الثانية، فهي المتمثلة افتراضاً بـ( زلة لسان ) العامري، وهنا يتوجب على الحاج أبي حسن ان يعترف بهذا الخطأ، ويعتذر أولاً لأمهات شهداء تشرين، ولكن قبل ذلك عليه أن يعتذر لشهداء ورجال المقاومة الإسلامية أيضاً.. فهم مقاومون، والمقاوم لا يغتال مقاوماً مهما كانت الأسباب، والاختلافات ..!