بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
للإمام الحسين فضلٌ على التاريخ، والثوار، والثورات الإنسانية، فهو الذي زرع فكرة الثورة على الظلم في ثقافة الصحراء العربية القاحلة، وبدمه، ودم أهله وأصحابه، سقاها، فارتَوت، حتى غدَت بستاناً وارفاً يتفيّأ ظلالَه المظلومون والفقراء والمحرومون والمستعبدون، على مر الأزمان والعصور، إذ لم تكن قبل الحسين ثورات و ثوّار وقضية، إنما كانت ثَمّة حروب وغزوات وفتوحات من أجل الغنائم والمغانم والجاه والمال والسلطة.. وحين انتفض الحسين، فإنه لم ينتفض إلّا على الظلم والجور والفساد، ولم يَثُر إلا من اجل تحقيق العدالة والمساواة ورفع الحيف عن الناس، فالرجل لم يكن بحاجة لجاهٍ أو مالٍ أو سلطة، وهو سبط النبي محمد، وابن علي ابن أبي طالب، وفاطمة الزهراء البتول، وله في المجد قمة لم تصلها قمة مجد أخرى. فهل يحتاج مثله لسلطة أو إلى جاه ليُغامر بحياته وحياة أهله من أجلها ؟! أنا واثق أن لكل عراقي قصة عشق مع الحسين، وحكاية وجع مع جرح كربلاء، مهما كان دينه، ومذهبه وعقيدته وأفكاره.. وأنا مثل غيري، لي حكاية مع أبي عبد الله.. حكاية ليست شخصية مَحْضَة، إنما هي جزء من حكاية حب عائلية طويلة عميقة مؤثرة. فنحن بيت ( الحاج حسون أبو خيون رحمه الله)، بيتٌ حسينيُ الهوى بامتياز، زرع الوالد، بذرته في قلوبنا، وسقته الوالدة المرحومة بدمعها وصبرها وحليبها الزكي، فصار الزرع عالياً ومثمراً.. وكأي عائلة عراقية أخرى، قد نختلف فيما بيننا في عدة قضايا، لكننا نتفق جميعاً دون استثناء، على حب الحسين، والولاء لثورته واسمه الطاهر .. فعائلة يتجاوز عددها المائة فردٍ، بأبناء وأحفاد، وأبناء أحفاد، وأربعة أجيال مختلفة بثقافاتها وتنوعها وخصوصياتها، سيكون من الطبيعي أن يختلفوا في أمور عديدة، من بينها أمر التقليد مثلاً، فهذا تراه يقلد السيد السيستاني، وذاك يقلد السيد الخامنئي، أو يقلد السيد الحائري - قبل أن يعتزل العمل المرجعي- وآخر غيره يقلد ( لينين)، و هكذا الحال مع بقية الأمور، حتى في كرة القدم، نختلف مع بعضنا، فهذا برشلوني وذاك مدريدي، والآخرون منقسمون بين زورائي، وشرطاوي وجوي ومينائي وطلباوي، وقد تجدنا يوماً ( نتذابح ) بالألسن، حول أفضلية ميسي أو رونالدو، لكننا لن نختلف أبداً حول عظمة الحسين، وحبنا له، وفضله على التاريخ .. أما أنا فقد أحببتُ الحسين، لأني وجدته أهلاً للحب، فأحببته، دون أي حسابات دينية أو مذهبية..كيف لا أحبه، وهو قدوتي في النضال والقتال دفاعاً عن الحرية، والعدالة الاجتماعية والإنسانية.. وإذا كنت قد أحببت الحسين منذ صغري، فقد أحببته أكثر حين صرت شيوعياً.. أليس الحسين هو أول من أطلق تلك الـ ( لا ) المدويّة بوجه الحاكم الظالم ؟! وفي الوقت ذاته، أحببت أيضاً الثائر الأممي جيفارا، الذي رفض هو الآخر،الظلم والاستغلال والاستعباد، واختار طريق الثورة الذي شَقّهُ الحسين وعَبّدهُ بدمه قبل أربعة عشر قرناً ليمشي عليه جيفارا، ويقدّم رأسه فداءً للحرية، وثمناً لأجل العدالة والمساواة، ونصرة الفقراء في العالم . ولأني أحببت الحسين، فقد أحببت جيفارا، وبقية الثوار في الكون، فأنا أرى أن بين ثورة الحسين، والثورات التحررية الإنسانية، ملامح وصفات ومحطات عديدة مشتركة، رغم الاختلاف في الأديان والمذاهب والجذور والعقائد والانتماءات أيضاً. لقد كنت محظوظاً حين انتبهتُ مبكراً للدرس الفذ، الذي أعطاه الحسين للثوار في التاريخ الإنساني، وفيه تلمستُ ذلك الخيط الرابط بينهم، أي من لحظة رفض البيعة، حتى آخر ثائر يرفض الذل، ويحمل سلاحه بوجه الظلم والبغي والطغيان.. لقد بدأ الدرس عندي منذ مطلع الستينيات، وأنا في العاشرة من عمري تقريباً، حين كان والدي يصطحبنا أنا وشقيقي (خيون) الذي كان يكبرني بسنة واحدة، في ليالي عاشوراء إلى حيث المجلس الحسيني الكبير في منطقة راغبة خاتون ( كمب الصليخ )، ذلك المجلس الذي يقيمه كل عام المرحوم كريم المفتاح احد وجهاء ( قبيلة كعب ) المعروفين بثرائهم وكرمهم وحرصهم والتزامهم بإقامة الشعائر العاشورائية.. وأذكر أن الخطيب ( القارئ) الذي نسيت اسمه للأسف، كان مثقفاً وبليغاً ومُفوَّهاً، وأيضاً متمكناً في النواحي اللغوية والدينية والتاريخية والسياسية، وكان ذا ميل واضح للفكر اليساري، فهو يتحدث مثلاً عن ( القضية) في ثورة الحسين، ويبحث عن اسباب رفضه مبايعة الطاغية يزيد، أكثر مما كان يسعى إلى إبكاء الناس، أو استدرار دموعهم..لذلك لم يكن غريباً وقتها أن يتحدث عن علاقة ثورة الحسين بثورات الشعوب التحررية اللاحقة، ويذكر مثلاً ثورة الجزائر وقادتها أحمد بن بلّة، وجميلة بو حيرد - التي كانت " ترند " آنذاك- كما يتحدث عن ثورة العراق في الرابع عشر من تموز بقيادة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم، ويذكر بإعجاب، مقاومة الشعب الفيتنامي ضد الإمبريالية الأمريكية بقيادة القائد والثائر الفذ "هو تشي منه " إلى جانب الجنرال القدير جياب.. نعم لقد كان هذا القارئ يربط بين ثورة الحسين وتأثيرها بشكل مباشر أو غير مباشر على حركة الثورة العالمية، دون أن يلغي التأثيرات والعوامل الأخرى،فيتحدث عن الرابط الثوري الرافض، الذي يجمع بين الثائرين : الحسين وجيفارا، وعن انتصار الثورة الكوبية تحت قيادة كاسترو وجيفارا ، وفرار الديكتاتور باتيستا، وسقوط العاصمة هافانا بيد الثوار اليساريين .. كما كان هذا الخطيب (الكظماوي) يتحدث عن الأسماء الثورية العالمية، معيداً مع كل اسم منها، التذكير بفضل الحسين التاريخي على ما وصلت إليه الثورة العالمية وقادتها ورموزها، ومُذكّراً، بصاحب أول (لا) قوية تطلق بوجه حاكم ظالم في التاريخ، وبالثمن الغالي الذي دفعه صاحبها.. لذا فقد كان ذلك الخطيب على حق بوصفه، فالحسين لم يكن شخصاً شجاعاً فحسب، بل كان منارة عالية، وجامعة ثورية وانسانية كونية، يرتادها على حدٍّ سواء: المسلمون والمسيحيون والصابئيون وحتى اللادينيون، فثورات العدالة لا ترتبط بدين ولا بمذهب معين .. وأذكر أن ذلك ( القارئ ) تحدث في أول أيام محرم عن أسباب ثورة الحسين، مبتدئاً من رفضه طلب البيعة الذي قدمه والي المدينة المنورة، الوليد بن عتبة، بناءً على رسالة يزيد بعد موت معاوية، وجواب الحسين المدوّي: "إن مثلي لا يبايع مثله"، وخروج أبي عبد الله من المدينة إلى الكوفة، وانتهاءً برفضه البيعة مرة ثانية، بعد أن تقدم بطلبها هذه المرة، قائد الجيش الأموي ( عمر بن سعد )، رغم أن بن سعد قد خيَّره مهدداً بين القبول بالبيعة أو القتل.. وأذكر أني قلت لوالدي في خِضمَّ سردية رفض البيعة ليزيد، هامساً: (بويه ليش الأمام الحسين ما بايع يزيد)؟! فغضب والدي كما يبدو، وضغط على يدي برفق، قائلاً بصوت خافت : ( إسكت بويه ولا تحچي هيچي حچي .. حرام ) !! لكن الجواب القاطع جاءني من أخي خيون بقوله:( الحسين سبع وما يبايع واحد ظالم وجبان مثل يزيد.. مو صحيح بويه )؟! فأومأ والدي برأسه موافقاً.. وبعد عشرين سنة استشهد شقيقي ( الشيوعي ) خيون حسون الدراجي على ذات ( طريق الحسين ) ..!
*
اضافة التعليق
بعكازين، و ( ميكروفون ).. البطل وليد حبوش يدحر اليأس ويقهر المستحيل
بلا وداع ولا مشيعين .. فاروق هلال يمضي إلى مثواه الأخير حزيناً ومقهوراً
هل اليساري شيوعي، أم الشيوعي يساري .. وما الإختلاف بينهما ؟!
إلى الأسطورة ميسي : " أطلت الشوط في عمري .. أطال الله في عمرك " !
في الليلة الظلماء يفتقد ( الزعيم ) ..
ماذا لو يعود الشهداء العراقيون هذا الأسبوع أيضاً ؟!