ولماذا لم تختبئ أنت يا لاريجاني ؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

بعد استشهاد المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، نشرت وقتها مقالاً بعنوان : ( هل كان قرار السيد الخامنئي صحيحاً)؟

وبكل تواضع أقول، إن هذا المقال حظي باهتمام شعبي واسع، ونشر في مواقع وصفحات كثيرة، حتى أنه نشر في صفحات خاصة بعدد من رجال الدين العراقيين، كما تلقيت رسائل وتعليقات من شيوخ أجلّاء فيها الكثير من الثناء والتقدير، وفي بعضها إجابات على السؤال الذي طرحه المقال حول القرار الذي اتخذه المرشد الراحل بالبقاء في مكانه، ورفضه لنصيحة لاريجاني مستشار الأمن القومي الإيراني بالانتقال إلى موقع اكثر تحصيناً وأمناً من المجمع السكني الذي فيه..

وقد وجدت بتلك الإجابات اختلافاً في الرأي، فبعضها حمل تأييداً لقرار السيد الخامنئي بالبقاء، مبرراً ذلك بتفسيرات عقائدية كان السيد الخامنئي نفسه قد قالها في إجابته على لاريجاني.. لكن وللحق فإن هناك الكثير من أصحاب التعليقات والرسائل التي وصلتني قد عارض موقف المرشد الشهيد، مفضلاً تغيير الموقع وتوفير الأمن للمرشد الأعلى .. مؤيداً مقترح لاريجاني، باعتباره صاحب الاختصاص الأمني الأول في جمهورية إيران ..

لقد سقتُ هذه المقدمة الطويلة، للتذكير بنصيحة علي لاريجاني، والتذكير أيضاً بتخصصه الأمني، واطّلاعه الواسع والدقيق على الأوضاع والظروف الأمنية التي تمر بها إيران والمنطقة في هذه الحرب العدوانية الشرسة .. لذلك أردت وضعها كمقدمة لما أريد قوله في هذا المقال، بعد أن أعلن امس الثلاثاء وزير دفاع الكيان الصهيوني نبأ اغتيال لاريجاني نفسه، وأيضاً اغتيال قائد قوات  الباسيج غلام رضا سليماني مع عدد من قادة الباسيج الأمنيين.. لقد أردت القول، ومرارة السؤال تملأ فمي : كيف يطلب مستشار الأمن القومي من المرشد الأعلى

الانتقال إلى موقع حصين، والتخفي بعيداً عن عيون التجسس الصهيونية، وهو شخصياً لم يوفر لنفسه مثل هذه الحماية، رغم إدراكه لخطورة وضعه وموقعه و( كفاءة ) عدوه الاستخبارية والتجسسية.. أليس هو المستشار الأمني القومي ؟!

لذا أقول : أيعقل أن يعرّض لاريجاني نفسه للخطر بهذه السهولة وهذا اليسر ، فيسكن مع نجله في شقة مكشوفة وبسيطة جداً، وبمثل هذه الظروف، وكأن العيون الإسرائيلية التي تبحث عنه قد توقفت عن البحث والمتابعة، ألا يعرف لاريجاني مثلاً أنه اليوم بات  الشخصية الأهم في إيران بعد رحيل المرشد الأعلى، بل إن البعض يعتبره اهم من المرشد الجديد السيد المجتبى الخامنئي حتى ..!

 إن علي لاريجاني المولود في مدينة النجف الأشرف، والحاصل على قدر من العلوم الدينية في حوزات النجف وقم، وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران أيضاً، والشخصية البراغماتية العملية النبهة، والحاوية على عدد من المواصفات والمهارات، وربما هو  أحد القلائل القابضين على حزمة من الخيوط التي يصعب على غيره الإمساك بها، فهو  العسكري الذي قاد القوة الجوية الإيرانية في ظروف صعبة جداً، وهو التشريعي الماهر الذي قاد البرلمان الإيراني لثلاث دورات متتالية - 12 سنة -  وهو السياسي الفذ، العميق الذي يقود جناحاً سياسياً وفكرياً مميزاً في جمهورية ايران الإسلامية، وهو رجل الأمن الذي أدار بنجاح مؤسسة الأمن القومي الإيراني، وابن مؤسسة الحرس الثوري، الذي لم يكن يوماً بعيداً في تربيته ونشأته عن مبادئ ودروس وعقائدية الحرس الصارمة، لكنه في الوقت ذاته كان يتمتع بمرونة كافية، إذ له وجه ولسان تفاوضي سمح، يحبه ويكرهه في الوقت ذاته كل المفاوضين الذين فاوضهم، فهو ليس دبلوماسياً جداً، بحيث لا يقبض منه المفاوضون غير نعومة وحلاوة الكلام مثل وزير الخارجية عراقچي، ولا متزمتاً متشدداً جداً مثل محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان، أو غلام محسني إجئي رئيس السلطة القضائية، المعروفين بصرامتهما وشدتهما في مختلف القضايا .. إنما كان شخصية عميقة وقوية رغم وسطيتها، شخصية تكتنز الكثير من المزايا الفذة التي جعلت المرشد الراحل علي الخامنئي يثق به، ويختاره لإدارة الدولة في أصعب الظروف، رغم وجود رئيس جمهورية، ورجال دين مرموقين، وقادة بارزين في الحرس الثوري والباسيج والبرلمان والقضاء وغيرهم  ..

وهنا يجب أن نعرف، ماذا يعني أن يستدعي المرشد الفذ علي الخامنئي، شخصاً قد غادر السياسة، وابتعد طائعاً عن الواجهة، بل وعن المشهد برمته لسنوات، فيسلمه الدولة بخطوطها ومفاتيحها الأمنية والسياسية والعسكرية .. ؟

ومن هذا الإختيار التاريخيّ يمكن لنا أن نستدل على المعاني الفريدة لشخصية علي لاريجاني، وسيكون الأمر أكثر دلالة ووضوحاً حين نعرف أن هذا التكليف جاء قبل أن يرحل المرشد الأعلى بفترة قصيرة جداً ..!

وأعترف هنا أن نبأ اغتيال لاريجاني صدمني صدمة عنيفة بل وصدم كل أسرتي أيضاً.. لقد كان المشهد مؤلماً لنا ونحن نستمع سوية لهذا النبأ المفجع عبر شاشة التلفاز.. ولما طرحت سؤالي الموجود في عنوان هذا المقال بصوت عال، أجابني ولدي حسون - وهو المثقف، والحاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من إحدى أهم جامعات ولاية كاليفورنيا، قائلاً: أعتقد أن لاريجاني شخصية مهمة ومدركة حتماً لحجم مسؤوليتها في مثل هذه الظروف، لذلك لا يمكن له قطعاً أن يختفي تحت الأرض، أو يختبئ في مكان مجهول، تاركاً تكليفه ومسؤولياته التي أودعها في عنقه المرشد الراحل، وهل هناك مسؤوليات أهم من مسؤوليات الامن والحرب والدولة في هذه الظروف؟!

وقبل أن أردّ على ولدي إحسان، قاطعه ولدي علي- المتفوق والضليع في علم التاريخ- موجهاً كلامه لأخيه، ولنا جميعاً قائلاً : كلامكم كله صحيح، ولكن هل نسيتم السبب الذي دفع المرشد الراحل إلى رفض الإختباء.. فلماذا لا يكون السبب ذاته الذي دفع لاريجاني أيضاً إلى رفض التخفي، والبقاء في مشهد المسؤولية، سيراً على خط معلمه الخامنئي؟

 وهل نسيتم أن لاريجاني خرج بشكل قصدي قبل يومين في شوارع طهران، وأمام العالم كله متظاهراً مع الجماهير بيوم القدس، فرآه الصهاينة وعملاؤهم.. وهل أن لاريجاني (غشيم) حاشاه، لا يدرك خطورة ما قام به من عمل مقصود ؟!

قلت له: لالا، إنه يقيناً يدرك ذلك دون شك.. لكن لماذا فعل كل هذا، والبلد بحاجة اليه في مثل هذه الظروف القاسية، ومن طلب منه أن  يخرج في تظاهرة مكشوفة ومنقولة عبر الكاميرات ؟!

ابتسم ولدي حسون وقال:

بابا، لا تنسى القضية الأهم والرئيسية في الموضوع؟ قلت : أيّ قضية تقصد؟

قال:إن لاريجاني والخامنئي ومن كان على شاكلتهما، أبناء بررة لمدرسة الإمام الحسين، الإمام الذي قلت عنه في مقالك السابق إنه مضى بقدميه وإرادته وقراره إلى مواجهة جيش البغي والظلم، مصطحباً معه أصحابه وأهل بيته، وهو يعلم جيداً ما سيحل به ..  فكيف تريد من طلاب مدرسته اليوم الإختباء من مواجهة جيش البغي والظلم الصهيوني ؟!