ماذا لو يعود الشهداء العراقيون هذا الأسبوع أيضاً ؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

في منتصف سبعينيات القرن الماضي صدرت في بغداد - وأعتقد عن دار الحرية للطباعة والنشر - مجموعة قصصية تحمل عنوان ( الشهداء يعودون هذا الأسبوع )، للكاتب الجزائري ( الطاهر وطار).. وقد ضمت قصصاً عديدة، من بينها قصة تحمل نفس عنوان المجموعة.. وقتها حيث كانت بغداد تطبع وتقرأ وتكتب أيضاً، لاقت هذه المجموعة بشكل عام، و قصة ( الشهداء يعودون هذا الأسبوع) بشكل خاص اهتماماً كبيراً، وقبولاً واسعاً ليس لدى الأدباء فحسب، بل لدى عموم المثقفين والمتعلمين في المجتمع العراقي، كما خلقت هذه القصة بعنوانها الغريب، وموضوعها الصادم جواً مشجعاً لإطلاق عدة أسئلة جريئة وجديدة لم تطرح من قبل، بل لم يكن التفكير بطرحها مقبولاً آنذاك. أسئلة تتعلق بالثورة والثوار والمقاومة وبياض الشهداء لا سيما ثورة الجزائر، أو  ثورة المليون شهيد كما تسمى، حيث كان ينظر لها في العراق نظرة احترام تقترب من التقديس.. وأذكر أني كتبت مقالة أدبية وليست سياسية،  نشرتها آنذاك في جريدة طريق الشعب، او جريدة الفكر الجديد- إذ لم أعد أتذكر في أي منهما نشرتها- تناولت فيها عبقرية الكاتب طاهر وطار، ومخيلته الفذة التي أنتجت هذه الفكرة المأساوية، والمجنونة.. لقد كتبت تلك المقالة وكنت لحظتها مسحوراً بجمالية وشعرية مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا التي حملت عنوان : " أعترف بأنني قد عشت " والتي صدرت في الوقت نفسه الذي صدرت فيه مجموعة الطاهر وطار تقريباً، حيث قرأتهما سوية، فكان من الطبيعي أن تتأثر مقالتي بالهواجس الشعرية واللغة الفنية العالية التي كتب فيها نيرودا مذكراته، وبالخيبة والقهر والأسى الذي تركته قصة طاهر الوطار (الشهداء يعودون هذا الأسبوع) في نفسي.. وأعتقد أن الإستجابة تكون مذهلة لدى المتلقي حين تلتقي لغة الشعر الشفافة بقسوة لغة الروائي الثورية وتتحدان عند عتبة شاب هو في أول دروبه الشعرية والكتابية والسياسية أيضاً..

وهكذا اجتمعت أمامي في وقت واحد لغتان ساهمتا بشكل أو بآخر بكتابة ذلك المقال الذي نسيت إسمه.

يقول أحد أصدقاء الطاهر وطار، إن فكرة قصة الشهداء وُلدت خلال جلسة نقاش خاصة للكاتب "الطاهر وطار" مع عدد من أصدقائه بعد تحرير الجزائر واستلام الثوار المجاهدين قيادة الدولة الجزائرية بفترة، حيث طرح  "وطار " سؤالاً افتراضياً قال فيه : "ماذا لو عاد الشهداء هذه الأيام؟". فأجابه أحدهم إجابة ساخرة وصادمة قال فيها: "سيتم القبض عليهم  والتحقيق في مدى مطابقة أفكارهم مع توجهات قادة الجزائر المستقلة الجديدة، وقد يسجنون في سجون الجزائر الحرة المستقلة"!! صدم "وطار" بهذه الإجابة واعتبرها خيانة لتضحيات الشهداء، فقرر كتابة قصة عن فجيعة هذا الواقع المر يفضح فيها التناقض الكبير بين رؤى وآمال وتطلعات وأحلام الشهداء من جهة، وفساد المجاهدين الذين يقودون البلاد بعد التحرير من جهة اخرى، بخاصة وأن"الطاهر وطار"  كان عضواً في جبهة التحرير الوطني، وأحد الثوار المجاهدين، والمساهمين في حرب تحرير الجزائر .. وهكذا جاءت هذه القصة التي تدور أحداثها حول ( العابد بن مسعود)، ذلك القروي البسيط الذي تصله رسالة تخبره أن ابنه الشهيد وكل شهداء الثورة، سيعودون هذا الأسبوع..! ومن شدة فرحه، راح الأب  يذيع النبأ في القرية.. فأثارت هذه الإشاعة رعباً حقيقياً بين المستفيدين، والانتهازيين، و حتى المقربين أيضاً.. حيث بات الكل يخشى عودة الشهداء، لأن هذه العودة ستهدد مصالحهم، ومواقعهم الجديدة، وتفضح فسادهم وخيانتهم للثورة وأهدافها.

والغريب أن كل أهل القرية رفضوا عودة الشهداء : المخلص منهم والخائن. المناضل والانتهازي، القريب والبعيد أيضاً..

وهنا تقول الكاتبة والروائية  الجزائرية أحلام مستغانمي - إن الطاهر وطار أعاد في قصة "الشهداء يعودون هذا الأسبوع" الإعتبار لقيم الشهادة .. ومن الحكمة ألّا يفكر الشهداء في العودة، كي لايروا، ولو لبرهة، كيف يعيش الناس من بعدهم... بعد أن ماتوا فداءً لهم. )!!

وأنا يوم أمس فكرت - ولا أخفي عنكم السر- بذات السؤال الذي طرحه الكاتب الطاهر وطار، على لسان "العابد" : والذي قال فيه: ماذا لو عاد الشهداء هذا الأسبوع؟

وتساءلت مع نفسي، بعد أن حورت السؤال ونقلته من ( الخانة الجزائرية) إلى ( الخانة العراقية)، وقلت : ماذا لو يعود أيضاً الشهداء العراقيون هذا الأسبوع.. شهداؤنا الميامين الذين ارتقوا المشانق من أجل حرية العراق، وتصدوا بكل شجاعة وبسالة لسلطة صدام الدكتاتورية؟

ماذا سيقولون لو عادوا، ورأوا بأمّ أعينهم كل هذه الفظاعات وهذه المفاسد والجرائم التي حصلت وتحصل بعد تحرير العراق من قيود البعث الفاشي؟  وماذا سيقولون لو رأوا المليارات تخرج من مخابئ وسراديب و جدران بيوت المسؤولين العراقيين ؟!

هل سيمكث شهداؤنا  ليلتهم في العراق أم سيعودون حالاً إلى عليائهم وبجوار رب كريم ؟!

يبدو أن خيالي حلّق بعيداً في سماء مزدحمة بالأماني، ولم أفكر بسؤال هو الأقرب إلى الواقع، مفاده: هل سيسمح مسؤولونا  ياترى للشهداء العراقيين بالعودة هذا الأسبوع..  او حتى بعد ألف أسبوع ؟

الجواب معروف و لا يحتاج إلى تفكير، أو تأخير قطعاً !