فيلم سينمائي وحلم شخصي يتحققان في أمريكا ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

قبل ستة وخمسين عاماً وتحديداً في مثل هذه الأيام من عام 1970 جرت نهائيات كأس العالم في المكسيك.. وقتها كنت فتى يافعاً ألعب في فريق شباب السكك - الزوراء حالياً - وعاشقاً لكرة القدم حد اللا معقول. وأذكر هنا أن فيلماً سينمائياً وثائقياً رائعاً قد عرض بعد أيام قليلة من انتهاء تلك البطولة الكونية التي فاز فيها فريق البرازيل للمرة الثالثة بعد أن هزم منتخب إيطاليا في المباراة النهائية 4-1، و تألق فيها اللاعب الفذ بيليه، بعد أن سجل هدفاً وصنع هدفاً. وأذكر ان ذلك الفيلم الذي حمل اسم" العالم عند أقدامهم " (The World at Their Feet) قد عرض في  "سينما النصر الصيفي" التي كانت تقع - قبل إزالتها - في بغداد / ساحة الطيران قرب كنيسة الأرمن الأرثوذكس / .. كان الفيلم عبارة عن قصة خيالية لطفل مكسيكي يهرب خلسة من قريته لأجل عيون الكرة، حالماً بحضور مباريات هذه البطولة، خاصة وأنها تقام في بلده المكسيك، لكن المشكلة كانت في تباعد الملاعب المكسيكية بعضها عن بعض، فيضطر هذا الصبي للسفر بواسطة السيارات، ويشاهد مباريات بطولة كأس العالم بطريقة فنتازية، بل ويحضر أيضاً مباراتها النهائية التي جرت بملعب (أزتيكا) بالعاصمة مكسيكو سيتي، الذي يُعد أحد أكبر ملاعب العالم ..

وبقدر ماكانت ثيمة القصة مؤثرة، ومشوقة جداً، فقد نجح المخرج المكسيكي "  ألبيرتو إسحاق" في مزج هذه القصة مع لقطات حية من مباريات البطولة المثيرة، واختيار أجمل الأهداف التي سجلت فيها.. كما نجح في تقديم نظرة شاملة عن تلك النسخة الأسطورية التي شهدت تتويج منتخب البرازيل بها، مع إبراز تألق أساطير تلك الحقبة مثل بيليه وريفيلينو وجايرزينيو، وغيرهم.. ورغم ان الفيلم أنتج ليكون وثيقة من الوثائق الرسمية للاتحاد الدولي فيفا، إلا أن المخرج العبقري جعله فيلماً تاريخياً ودرامياً وفنياً ورياضياً ووثائقياً مشوقاً ..

وبصراحة، فقد استمتعت بمشاهدة الفيلم وانبهرت بأجواء البطولة التي نُقلت بشكل ساحر ومدهش حتى أني تمنيت أن أكون ذلك الصبي الذي هرب من قريته ليحضر المباريات !! ولعل وجود أخي وصديقي وزميلي في فريق السكك آنذاك، فاضل عبود - أطال الله في عمره- معي في مشاهدة هذا الفيلم، قد ساهم في خلق تلك الأجواء المريحة و الطيبة .. فالتأثير النفسي حين تشاهد فيلماً ممتعاً مع صديق ممتع، يكون إيجابياً وكبيراً دون شك.. وقد كان فاضل ولم يزل، من أعز أصدقائي، وأقربهم لي رغم الظروف القاهرة التي مرت بي وبه وبأغلب أصحابنا.

وأذكر أني سألت صديقي فاضل بعد نهاية الفيلم، ونحن نعيش تلك اللحظة المبهرة والمدهشة قائلاً : أبو عباس شتتوقع .. عود هم يجي يوم ونحضر آني وياك مباريات كأس العالم، ويكون العراق أحد الفرق المشاركة في النهائيات ؟ 

فضحك فاضل وقال لي:

مستحيل.. ما أعتقد هاي تصير في ظل هذه الفوارق وهذه الظروف الصعبة !!

ضحكت وقتها، وقلت له: ماكو بالدنيا شي يستحيل تحقيقه.. 

لقد كان في قلبي وقتها أمل كبير، وضوء لامع كأني أراه أمامي.

واليوم وبعد ستة وخمسين عاماً على رؤية ذلك الفيلم، وانبثاق ذلك الحلم، أكتب لكم هذا المقال من صالة إحدى بوابات مطار مدينة ساندييغو التي أسكن فيها بولاية كاليفورنيا الأمريكية، منتظراً الطائرة التي ستقلنا أنا وولدي، وعدد غير قليل من الأحبة والأصدقاء العراقيين المقيمين في هذه المدينة، المدججين بالأعلام العراقية واللافتات المؤيدة لأسود الرافدين، وقد ارتدى أغلبنا فانيلة المنتخب العراقي الخضراء أو البيضاء.. متوجهين نحو مدينة بوسطن الأمريكية لحضور مباراة العراق والنرويج في أولى مباريات منتخبنا في بطولة كأس العالم، التي ستقام على ملعب جيليت في بوسطن.

 أكرر : حضور مباراة العراق والنرويج في أولى مباريات منتخبنا في بطولة كأس العالم.. يعني راح أحضر كأس العالم، وبمشاركة منتخب العراق، رغم أنف الظروف وأنف المستحيل..

 إذن سقط ( المستحيل ) الذي ظنه صديقي فاضل قبل ستة وخمسين عاماً.. وهنا قد يقول قائل بأن العراق قد شارك في بطولة كأس العالم من قبل؟! وأقول له نعم، لقد شارك المنتخب العراقي مرة واحدة عام 1986 في نسخة المكسيك أيضاً، لكنني لم أحضرها، إذ كيف أذهب إلى (مكسيكو) وأنا جندي أحتياط، والحرب العراقية الإيرانية ( شغالة) على قدم وساق، وفيها مطحنة الفاو تصرخ وتنادي : هل من مزيد؟!

 لكن الأقدار تغيرت اليوم، والظروف تبدلت، وها أنا أذهب لأحضر بعد ساعات مباراة العراق والنرويج - رغم ارتفاع سعر تذاكر هذه المباراة - ورغم أن للعمر (حوبة)، والصحة لم تعد كما كانت أيام الشباب، فهي ليست على مايرام، لكني أسقطت وأبعدت كل شيء من أجل الذهاب، وتشجيع منتخبنا الوطني ..

وسأكتب لكم بعد انتهاء هذه المباراة عن تفاصيلها مع الصور حتماً، وكلي ثقة أن أسود الرافدين سيبيضون وجوهنا في ملعب بوسطن، وسيرفعون رأس العراق عالياً أمام  العالم كله ..

ختاماً أقول: أنا اليوم سعيد للغاية بسبب تحقيق ذلك الحلم الشخصي الذي ولد من ذلك الفيلم السينمائي، لكن شيئاً واحداً ينغص عليّ هذه السعادة: وهو ان صديقي فاضل عبود ابو هبة، لن يكون معي في مشاهدة هذه المباراة التي انتظرناها 56 عاماً، لأنه يرقد اليوم على فراش المرض في داره بمدينة الثورة قطاع 44 ، فعسى أن يحقق أسود الرافدين نتيجة طيبة تسعد قلب صديقي فاضل، وتكحل عينيه اللتين ذهب عنهما الكثير من الضوء، والكثير من البصر  ..