لا أمريكي .. ولا إيراني .. اعتقال الفاسدين قرار عراقي قح ..

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

تتداول بعض القنوات الإعلامية والكثير من وسائل التواصل الإجتماعي، آراء وتعليقات وتحليلات بني بعضها على ( فِرْيَة ) وكذبة ظالمة تتعلق بقرار حملة (فجر الخضراء) التي طالت رؤوساً بارزة في الدولة العراقية - السياسية والنيابية والاقتصادية - وهذه الفِرْية التي يطرحها (محللون) وصانعو محتوى تتعلق بقرار الحملة الوطنية لمكافحة الفساد، واسترداد أموال الشعب، التي تجري هذه الأيام على قدم وساق، تحت عنوان :

( فجر الخضراء )..

 ولعل ما يحزن القلب أن تحمل هذه التعليقات ظلماً فادحاً بحق جهود المسؤولين العراقيين الذين اتخذوا هذا القرار الجريء، الفذ، والمحققين الذين حققوا بمفاسد هذه المنظومة الخطيرة، وبحق رجال القوى الأمنية الذين نفذوا أوامر القبض التي صدرت من القضاء، بمهنية وسرية عالية لم نألفها من قبل..وطبعاً فإن الفِرْية التي سوّقها بعض الإعلاميين الذين أدمنوا على تصوير العراق بـ (كامِيرا ) فيها الكثير من الحقد والعداء، وإلصاق كل الصور المسيئة والتهم الباطلة والظالمة بحق العراق.. ومن بين هذه الصور تأتي صورة الفساد السوداء، مستغلين بذلك فساد بعض المسؤولين في الدولة.. مطبقين مقولة : (كلمة حق يراد بها باطل)..! إذ ما أن يذكروا اسم العراق إلا وألصقوا به ( طمغة ) الفساد، وكأن دولة العراق كلها فاسدة،  وأن العراق، البلد الوحيد الذي ابتُلي ببلوى الفساد، متناسين أن الفساد بات يعشّش اليوم في أغلب دول العالم، بدءاً من فرنسا وبريطانيا، مروراً بأمريكا والصين وروسيا وكوريا واليابان والبرازيل وروما، وليس انتهاء بايران والسعودية.. بل إن الفساد وصل كما يقال الى محيط حاضرة الفاتيكان المحترمة، وأنا هنا لا أبرئ الدولة العراقية من هذا الداء الخبيث، فالفساد ينخر في مفاصل الدولة، ويكاد يشلها تماماً، لكني أتمنى فقط النظر إلى هذه الجائحة الكونية بعين المساواة والعدل، فلا نتهم العراق وحده، ونزكّي غيره.. 

واليوم حين يقوم العراق بانتفاضة حقيقية على قوى الفساد وأركانه وحيتانه المتمثلة بانتفاضة ( فجر الخضراء) والتي فاجأت الصديق قبل العدو، يجب على الجميع لاسيما الإعلام  العراقي والعربي إسناد هذا الفعل الشجاع، ودعم هذه الانتفاضة بكل ما يمكن، وأولى خطوات هذا الدعم، الكف عن تشويه الانتفاضة الشجاعة التي انطلقت في الفجر الباهر، وعدم سلب قادتها وجنودها حقهم ومجدهم وجهدهم النبيل. 

إن ادعاء البعض من قنوات الإعلام بأن قرار اعتقال الرؤوس الفاسدة الذي تم في ( فجر الخضراء ) قرار أمريكي إيراني، أو أنه اتخذ بعد اتفاق بين واشنطن وطهران، فيه ظلم كبير للعراق، وإجحاف عال بحق العراقيين - حكومة وقضاء وشعباً - إذ ليس من العدل ان تتهم العراق بالفساد، وتنتقد العراقيين ليلاً ونهاراً (لأنهم لم يكافحوا الفساد، ولم يتصدوا للفاسدين عبر  أكثر من عشرين عاماً)، ثم تغض النظر حين تقوم الدولة العراقية بواجبها، وتنفذ عملية جريئة وجسورة لتصحيح المسار، ومكافحة الخلل الكبير في منظومة الدولة ومفاصلها المالية والإدارية، ولا تكتفي بذلك، بل تنسب فضل وروعة هذه العملية إلى أمريكا وإيران فحسب !! بينما الجميع يعلم أن هيئة النزاهة الإتحادية اشتغلت بقوة على هذا الملف منذ سنوات، حتى أن القاضي الشجاع ضياء جعفر أعلن بنفسه أن النزاهة تحقق في ملف فساد عدنان الجميلي منذ تشرين 2025، وهذا يعني أن الملف ( شغّال ) قبل أن تتدخل الخزانة الامريكية وتضع بعض المسؤولين العراقيين على لائحة العقوبات الأمريكية.. 

وإذا كان القرار أمريكياً كما يدعي البعض، فلماذا لم يتم اعتقال الأسماء المدرجة على لائحة العقوبات منذ إعلانها، ولماذا ظل هؤلاء طلقاء حتى هذه اللحظة، باستثناء وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع الذي اعتقل في حملة ( فجر الخضراء ) لأسباب تتعلق بالفساد وباعترافات زميله الجميلي، وليس بسبب إدراجه على لائحة العقوبات الأمريكية.  أما إذا كان القرار إيرانياً، كما يحاول البعض تسويقه فهذا برأيي ادعاء غبي تماماً، إذ كيف تطلب إيران من حكومة العراق القيام بمثل هذه العملية، أو تتفق مع امريكا حولها، وهي تعرف بشكل أو بآخر أن تنفيذ العملية سيطيح ربما برؤوس أشخاص موالين لها او محسوبين عليها .. عدا عن أن البعض يقول إن العملية برمتها تستهدف شبكات مالية واقتصادية مرتبطة بطهران بشكل مباشر أو  غير مباشر !!

إن قرار حملة اعتقالات الفاسدين في العراق، قرار عراقي لا شك فيه، أنجزته ونفذته أطراف عراقية : فمثلاً أوامر الاعتقال قد صدرت بتوجيه مباشر من رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، ونفذتها بدقة وأمانة قوات جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي.

وقد تمتعت الحملة بغطاء قانوني، بناءً على مذكرات قبض قضائية سليمة، وفّرَه مجلس القضاء الأعلى، بتنسيق مع رئاسة مجلس النواب لرفع الحصانة عن أعضاء البرلمان المتورطين. ولهيئة النزاهة الإتحادية، دور كبير في إعداد وإنتاج جميع الملفات الخاصة بالمطلوبين، وقد تم ذلك بالتعاون مع السلطات القضائية العراقية فقط..

وهنا يجب القول إن أمريكا كانت ولم تزل تضغط وتطالب الحكومات العراقية المتتالية بضرورة مكافحة الفساد المستشري، أو أن تقدم معلومات استخبارية مفيدة لحكومة العراق حول شبكات غسل الأموال واستغلال موارد الدولة،  وصفقات فساد كبيرة .. وهو أمر تمارسه وتضغط به أمريكا على دول عديدة وليس على العراق فقط... كما أن ايران قد تغض الطرف عن هذه العملية الواسعة، أو  ربما ترسل بعض الإشارات المعبرة عن عدم اعتراضها على اعتقال بعض الفاسدين حتى لو كانوا محسوبين عليها، لكن الشيء المؤكد أن قرار حملة ( فجر الخضراء) قرار عراقي قُحّ .. فلا تسرقوا حق الرجال الشجعان الذين قرروا وحققوا وأصدروا، و حق الأبطال الذين نفذوا هذه العملية العراقية الباهرة ..