بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
سألني قبل يومين صديقي الدكتور لطيف عن رأيي بأغنية ( متى ) التي كتبها ولحنها وأداها القيصر كاظم الساهر .. وفوجئ الدكتور لطيف حين أخبرته بعدم سماعي الأغنية، معتقداً -ربما - أني أتهرب من الإجابة، بسبب علاقتي الطيبة بالساهر .. وقد ظهر الاستغراب على وجه صديقي بوضوح، وله الحق في أن لا يصدق أن شاعراً غنائياً وإعلامياً محترفاً يفترض به متابعة آخر المنجزات الفنية، لا يسمع هكذا أغنية، خاصة عندما يكون صاحب الأغنية فنانا كبيرا مثل كاظم الساهر، ناهيك من أن الأغنية قد عرضت قبل عشرة أيام، ولم يعد أحد لم يسمعها.. وحين عدت إلى البيت في اليوم ذاته، سألت أفراد أسرتي عن أغنية ( متى )، ورأيهم فيها إن كانوا قد سمعوها، وفوجئت أنهم سمعوها، وأن آراءهم فيها مختلفة خصوصاً من ناحية النص. وبلا مقدمات سألتني زوجتي إن كان رحيل الشاعر الكبير كريم العراقي قد أثر على خيارات كاظم الساهر، فجعله يتوجه لتأليف أغنياته بنفسه؟ وكي"اقطع الشك باليقين، رحت إلى الأغنية وسمعتها أكثر من مرة، فضحكت، وقلت: " إنهم لا يعرفون كاظم الساهر، ولا يعرفون كيف يفكر هذا الفنان !!. لقد تذكرت- وأنا أستمع لأغنية ( متى )- موقفاً حدث بيني وبين الروائية القديرة، والإعلامية الراحلة إبتسام عبد الله مطلع عام ١٩٨٩ حين كانت مسؤولة عن الصفحة الأخيرة في جريدة الجمهورية، وكنت وقتها محرراً في ذات الصفحة وذات الجريدة .. حيث سألتني أم خالد عن رأيي بأغاني الفنان كاظم الساهر (الجديدة)، كما سألتني عن السبب الذي يمنعني من التعامل معه فنياً ؟ قلت لها - وأنا أعرف أنها معجبة جداً بموهبة وفن و(ستايل) وأسلوب الساهر : أعتقد أن كاظم الساهر يشتغل في منطقة تجريبية تعتمد منهج - الصدمة - وأنا لست ضد هذا المنهج لكني أنتظر ما سيخرج به من هذه التجربة، وثقي أني سأتعامل مع كاظم عندما أكتب نصاً يتوافق مع خطه الفني الذي يشتغل عليه، رغم اني كتبت له عام ١٩٨٧ أغنية عن تحرير ( الفاو ).. وهنا سألتني الراحلة ابتسام عبد الله عن (الصدمة) التي وردت في كلامي مرتين ..! فحكيت لها رأيي بالتفصيل. أنهت أم خالد حديثها معي قائلة : أكتب يافالح لكاظم الساهر ولن تندم، وستفخر يوما ما لأنك كتبت لكاظم الساهر أغنية او أكثر. وهنا ابتسمت الصحفية المعروفة فردوس العبادي - التي كانت ثالثنا في هذه الجلسة الفنية الصحفية- قائلة: وسيفتخر كاظم أيضاً يا أم خالد، لأنه غنى من كلمات فالح الدراجي !! فابتسمت الراحلة ابتسام وقالت: طبعاً طبعاً، فالح شاعر جميل، وأحب شعره. ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى كتبت للساهر أغنية ( الساعة متأخرة ) التي حققت وقتها نجاحاً طيباً .. الآن دعوني أشرح لكم شيئاً عن ( الصدمة) التي اشتغل عليها كاظم الساهر فنياً :- في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كانت الأغنية العراقية بسيطة جداً، تشبه حياة الناس في ملبسهم ومأكلهم وصدق علاقاتهم، ولم يختلف الأمر سواء في الريف أو المدينة، لذلك لم يكن غريباً أن تسمع وقتها أغاني مثل ( ولفي الغدار يطلبني بثار، مخليلي شويه نار أباب الدار .. رايد بيها يحرگ گلبي .. أوف أوف ياربي) .. وغيرها من الأغاني البسيطة المشابهة لها ..! لكن تغيّر الحياة وتطورها في السبعينيات، انعكس حتماً على وسائل ومرافق الحياة الأخرى، مثل المسرح والأغنية وبقية الميادين والمجالات. فجاءت الأغنية السبعينية بملحنيها الأفذاذ ومطربيها وشعرائها الكبار، بوصفها حالة إبداعية وجمالية معبرة عن روعة المرحلة ومتسقة مع مناخها تماماً.. ولأنها كذلك فقد دخلت قلوب الناس بانسيابية وهدوء دون أن تتصادم مع الجو الغنائي السائد آنذاك. بينما (عصر كاظم الساهر) الذي بدأ منذ اقتراب نهاية الحرب العراقية الإيرانية المدمرة، لايمكن أن يتحقق بذات الطريقة التي تحقق فيها لفرسان الأغنية السبعينية. فالناس قد كرهوا الحرب وكل الخراب الذي رافقها وصاحبها، بما في ذلك اللون الكاكي، وأسماء المواليد الجديدة، وقصص المآسي التي تخرج بعد نهاية كل حرب، فضلاً عن صخب الأناشيد وأغاني المعركة التي كانت تعيش معهم وتشاركهم حياتهم ومناسباتهم.. لذلك بات على كاظم أن يهشم قوالب ذلك الغناء - كلاماً ولحناً وأداء-، ويدخل بلون آخر، لون صادم، وثياب مختلفة، لا لكي ينسي الناس مآسي الحرب فحسب، إنما أيضاً ليؤسّس له خطاً غنائياً جديداً، ويدخل إلى منطقة لا يجرؤ أحد غيره الدخول فيها .. ومن غير كاظم الساهر يملك هذه الجرأة، والقدرة الفنية، والشروط؟ فكانت أغنية ( الحية) ثم أردفها بـ ( عبرت الشط) ، ليحقق بهاتين الأغنيتين المختلفتين ما كان يصبو اليه ويتمناه..لقد فجر الساهر حالة السكون في المجتمع المتلقي آنذاك، وصدم الوسط الفني بغرابة طرحه.. فكان من الطبيعي أن يحب البعض هاتين الأغنيتين ، و أن ينتقدهما ويسخر منهما البعض الآخر بل ويعتبرهما جنوناً، ومن الطبيعي أن لا يتقبل الناس بسهولة مثل هذا الإنقلاب الفني، فينتقلوا من (يا گاع ترابج كافوري) الرصينة والمعبرة إلى لدغة الحية وعبرة الشط ).. !! لكن المهم في الموضوع أن كاظم الساهر ظل ثابتاً ومصراً على مشروعه الفني، وشيئاً فشيئاً بدأ العراقيون يستسيغون أعمال الساهر، ويتقبلون مشروعه الجديد، ويعجبون بأغنياته جداً، بل صاروا يطلبونها ويقبلون عليها.. أما كاظم فقد ذهب بأسلوبه وأغنياته هذه حتى وصل بها إلى كل البلدان العربية، وامريكا وأستراليا. لقد نجح كاظم بفعل موهبته، وشجاعته، وبفعل تلك (الصدمة) التي أحدثها في كيان المجتمع العراقي حتى أصبح لأسلوبه جمهور كبير، وعدد غير قليل من المطربين والمطربات الذين باتوا يقلدون غناءه وأسلوبه في الوطن العربي. وهنا قد يقول قائل: وما علاقة قصة ( الصدمة) بأغنية ( متى )؟ والجواب: أن كاظم الساهر أعاد بهذه الأغنية الصدمة إلى جمهور الغناء، بعد أن شعر أن أوان الصدمة قد آن اليوم وليس غداً.. بعد مضي ما يقارب العشرين عاما على تلك التي فعلها بعد الحرب العراقية الإيرانية.. فالعالم العربي - كله وليس العراق فحسب- يعيش اليوم ظروفاً لا تقل سوءاً عن ظروف العراقيين تلك، وأن الأغنية العربية في سبات وخمول وكسل وبحاجة إلى صعقة لايقاضها.. لا سيما وأن شروط الصدمة متوفرة تماماً، فماذا ينتظر أبو وسام، و ( متى ) سيفعلها إن لم يفعلها اليوم ؟ رغم أني لا اعتبر (متى) أغنية صادمة تماماً مثل الحية وعبرت الشط، خاصة وأن لحن (متى) عراقي الجذر والأغصان، كما أن أداء الساهر ذاته لم يتغير، فضلاً عن أن كلماتها مقبولة وعادية جداً، ولمن لا يعرف الساهر، فهو يكتب الشعر - ولا أقول شاعر- وله أغنيات عديدة قد كتب كلماتها بنفسه، بل إن أبا وسام أسرّني يوماً بسرّ قال فيه ( إن ثمة أغنيات كثيرة ظهرت بأسماء غيره، كتب هو أكثر من كوبليه فيها، أو أنه كتب المذهب ليكملها شاعر آخر ).. !! المهم أن الساهر يفهم كثيراً في الشعر، وما كتبه في (متى) ليس سيئاً وليس عظيماً أيضاً من وجهة نظري الشعرية، فالنص عبارة عن مجموعة من الأبوذيات المدينية . ختاماً: هل تستحق أغنية ( متى ) كل هذا المديح الكبير، أو كل هذا الانتقاد القاسي ؟ الجواب: نعم تستحقهما لأنها مختلفة، والناس مختلفون ..!
*
اضافة التعليق
من أي طينة جبلت يا رحمن الكردي؟
في كل بيت عراقي شاعر .. وفي كل دفتر قصيدة ..
( عمارة الصبي ) .. وبرقية النجف
شكراً أبا مصطفى
مفيد الجزائري يخرج عن النص، ويغرّد خارج ( سربهم )
لامين يامال فتى بألف رجل .. !