بغداد- العراق اليوم: في خضم التعقيدات المتراكمة التي تحكم المشهد السياسي العراقي، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن أن يتحول رأس السلطة التنفيذية نفسه إلى ضحية لصراعات ما بعد الانتخابات؟
هذا السؤال لم يعد افتراضاً نظرياً، بل بات واقعاً يطفو على سطح الأحداث مع ما يواجهه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من ضغوط سياسية متعددة المصادر، تتقاطع فيها الحسابات الحزبية مع منطق “إدارة النفوذ” داخل البيت السياسي الواحد.
نحن، كإعلاميين ومراقبين للشأن العام، غالباً ما نقف عند حدود التحليل الموضوعي، نحاول تفكيك المشهد عبر قراءة توازناته الداخلية والخارجية، مستندين إلى ما يتوفر من معلومات ومعطيات. وضمن هذا الإطار، تظل المهنية الإعلامية قائمة على مبدأ الحياد، بوصفه شرطاً لازماً لعدم تضليل الرأي العام أو الانحياز إلى سردية دون أخرى. غير أن الحياد ذاته لا يعني الصمت أمام حالات “الاختلال السياسي” عندما تتحول إلى ظاهرة واضحة للعيان.
في الحالة الراهنة، لا يبدو الأمر متعلقاً بصراع تقليدي بين سلطة ومعارضة، بل بصراع داخل “التحالف الحاكم” نفسه، حيث تتجسد إحدى أبرز إشكاليات النظم التوافقية: تضارب مراكز القوة داخل الكتلة الواحدة. وهنا، تتجلى معادلة معقدة يمكن وصفها بـ”التنازع داخل الشرعية”، حيث يمتلك كل طرف أدوات ضغط تتيح له تعطيل مسار تشكيل الحكومة أو إعادة توجيهه بما يخدم مصالحه.
المفارقة التي تستحق التوقف، أن السوداني—الذي يُفترض أنه خرج من رحم هذا التحالف—يجد نفسه في مواجهة ضغوط من بعض أطرافه.
وهو ما يعيد إلى الأذهان مقولة “ظلم ذوي القربى”، التي لا تُقرأ هنا كشحنة بلاغية فقط، بل كمفتاح لفهم طبيعة الصراع الداخلي الذي يتجاوز حدود المنافسة السياسية إلى ما يشبه “إعادة توزيع مراكز القرار”.
المؤشرات السياسية تشير إلى أن بعض قوى الإطار التنسيقي لم تتعامل مع نتائج الانتخابات بوصفها محدداً نهائياً للاستحقاق الدستوري، بل كمرحلة أولى يمكن إعادة تشكيل مخرجاتها عبر أدوات التعطيل والتسويف.
هذا السلوك يدخل ضمن ما يُعرف في أدبيات السياسة بـ”تكتيكات الإعاقة المؤسسية”، حيث يتم استخدام الزمن كأداة ضغط لإجبار الطرف الأقوى انتخابياً على تقديم تنازلات.
الأخطر من ذلك، أن الأزمة أخذت منحىً دستورياً مع اقتراب أو تجاوز السقوف الزمنية المحددة لتكليف رئيس الوزراء، ما يفتح الباب أمام “فراغ دستوري جزئي” قد يعيد البلاد إلى دوامة التأويلات القانونية والصراعات التفسيرية، وهي سمة لازمت التجارب السياسية العراقية منذ 2003.
وفي قراءة تاريخية قريبة، لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن أنماط سابقة في إدارة السلطة، بدءاً من انتخابات 2010 وما رافقها من جدل حول الكتلة الأكبر، مروراً بانتخابات 2021 التي شهدت إقصاء التيار الصدري رغم فوزه، وصولاً إلى اللحظة الراهنة. هذه الوقائع تعكس نمطاً متكرراً يمكن وصفه بـ”إعادة هندسة النتائج الانتخابية سياسياً”، حيث لا تكون صناديق الاقتراع هي الكلمة الأخيرة.
في هذا السياق، يبرز تصريح رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان باعتباره مرجعية قانونية حاسمة، حين أكد أن الكتلة الفائزة هي المعنية دستورياً بتسمية رئيس الوزراء.
غير أن الإشكالية لا تكمن في غياب النص، بل في “إرادة تطبيقه”، وهي الفجوة التي غالباً ما تُملأ بتفاهمات سياسية تتجاوز روح الدستور.
السوداني، من جانبه، يبدو أنه اختار حتى الآن استراتيجية “الاحتواء الهادئ”، وهي مقاربة تقوم على امتصاص الضغوط وتجنب التصعيد، إدراكاً منه أن المواجهة المفتوحة داخل البيت السياسي قد تؤدي إلى تفكك التحالف برمته. هذه الاستراتيجية، رغم ما تحمله من كلفة سياسية وشخصية، تعكس فهماً لطبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوازنات الهشة.
غير أن هذه المقاربة ليست بلا حدود. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن حجم الضغوط دفع السوداني إلى التفكير بخيارات بديلة، من بينها طرح اسم تسوية مثل الدكتور إحسان العوادي. لكن حتى هذا الخيار لم يسلم من دوامة الاعتراضات، ما يعكس أن الأزمة لم تعد مرتبطة بشخص المرشح بقدر ما هي صراع على “من يملك حق التسمية” ومن يحدد شكل الحكومة المقبلة.
هنا، يمكن توصيف المشهد بأنه انتقال من “أزمة اختيار” إلى “أزمة نظام”، حيث تصبح قواعد اللعبة نفسها محل نزاع. وهذا أخطر ما في الأمر، لأن استدامة النظام السياسي تعتمد على استقرار قواعده، لا على نتائج كل جولة انتخابية فقط.
في المحصلة، يبدو أن السوداني يقف اليوم عند تقاطع طرق سياسي معقد: بين الحفاظ على تماسك التحالف، والدفاع عن استحقاق انتخابي واضح، وبين تجنب الانزلاق إلى صراع مفتوح قد يعمق الأزمة الوطنية. وبين هذه الخيارات المتضاربة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح سياسة الصبر الاستراتيجي في كسر حلقة التعطيل، أم أن المشهد يتجه نحو إعادة إنتاج أزمة سياسية جديدة؟
*
اضافة التعليق
كان الله بعون السوداني!
العراق يوسع نظام التير لتعزيز التجارة الدولية
حمودي يحدد معايير اختيار رئيس الوزراء: ثلاثية القبول الوطني والسيادة ورؤية المرجعية تحسم السباق
عالية نصيف: الإطار التنسيقي يعود إلى نقطة الصفر وحسم مرشح رئاسة الوزراء بيد السوداني والمالكي
قرارات صادمة داخل التيار الصدري.. الصدر يقلب الطاولة في كربلاء ويأمر بإقالة القيادات وسحب السلاح خلال أيام
حسم مرتقب اليوم: السوداني الأقرب لرئاسة الحكومة بعد تراجع حظوظ مرشح المالكي