الجريمة التي ارتكبتها بحق الكائن الذي لايكره أحداً ولا يكرهه أحد.. أقصد أبو علي الوحيلي

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة 

فالح حسون الدراجي

لم أشعر يوماً بثقل الحزن والفجيعة، وقسوة الندم، مثلما شعرت حين تلقيت نبأ رحيل الرفيق والصديق والأخ العزيز عبد الحسين إبراهيم الوحيلي، المعروف باسم ( أبو علي الوحيلي) !

وإذا كانت أسباب حزني وحزن الأصدقاء على رحيله معروفة، فإن سبب ندمي ووجعي لايعرفه سوى قلبي الموجوع بفقده ورحيله الذي كان مفاجئاً وغير مفاجئ لي أيضاً..

إن نار الندم ظلت مستعرة في وجداني وضميري منذ رحيله حتى هذه اللحظة، وأحياناً يعبر شعوري بوابة الندم، فيدخل بي إلى حيث  الإحساس بالعار أيضاً.. 

لقد اتصل بي العزيز أبو علي- ولم أنس ذلك اليوم  أبداً - في نهاية شهر نيسان من العام الماضي- وقال لي بصوت حزين، متكسر، متهدج، وبأنفاس متقطعة ومرتجفة، حتى أني شعرت وكأنه يبكي من شدة حزنه، فتخيلته يذرف الكلمات والدموع معاً :

رفيقي أبو حسون .. آني مريض جداً ويمكن راح أموت قريباً.. مشتاق لك جداً جداً، وخليني أودعك قبل ما أموت رحمة على روح ( أخيك ) خيون ..!

أجبته وأنا أحاول تلطيف الجو، و إخراجه من حالة التأثر التي هو فيها، قائلاً :

يمعود أبو علي يا موت يا بطيخ، بعدك شباب، وبيك بعد أربعين سنة عمر، هسه إذا أجيبلك مرة ما تتزوج؟ 

-كانت زوجته أم علي قد توفيت قبل عدة سنوات - ثم أكملت حديثي بقولي : نعم سأزورك في نهاية الأسبوع القادم حتماً !! 

لكن أبا علي رد على كلامي قائلاً: لا أبو حسون، أرجوك حاول أن تجي هاليومين مو بعد عشرة أيام، خاف ما تلحگ عليّ ..!

أطلقت ضحكة مصطنعة لأطمئنه عبرها، ثم قلت له: أبو علي وداعتك مو هسه تموت.. عمرك طويل، وراح نحتفل ونغني بذكرى ميلاد الحزب الثانية والتسعين..

تنهد أبو علي، ثم قال: 

الله .. ياريت رفيقي ياريت ..

أغلقت الهاتف، وانشغلت بعدها بمشاكل الحياة والعائلة والعمل اللعين، ونسيت ( أبو علي) .. ثم جاء الخبر الصادم بعد أسبوع واحد : توفي الرفيق أبو علي الوحيلي .. !!

يا الهي ..رحت أبكي وأصرخ بكل ما في القلب من وجع وقهر وندم واحتقار لكسلي الذي جعلني لم أستجب لنداء ورجاء وتوسلات هذا الرفيق، والصديق الغالي.. فرحت أصيح بصوت عال، وأثغب بوعي وبلا وعي: 

يا بويه يا حسون .. يا خويه يا خيون .. يا عبد الحسين الوحيلي ..يا الله، ماذا أفعل، وكيف أقنع نفسي وأبرر لها ما فعلت من ( جريمة ) بحق صديق طيب، بل هو أطيب إنسان في الوجود.. وأية ( كفارة ) أدفعها لكي يغفر لي أبو علي خطيئتي الكبرى هذه، أو أغسل هذا العار الذي سيظل يلاحقني ما حييت.. تخيلوا أني من شدة خجلي من نفسي ومن عيني (أبو علي) الوفيتين، لم أحضر حتى مجلس الفاتحة الذي أقيم على روحه الطاهرة، بل ولم أنشر نعياً أو رثاءً في رحيله بالجريدة. وباختصار فقد بقيت مشلولاً، عاجزاً، منطفئاً، حبيس البيت لأكثر من أسبوعين كاملين، لم أذق فيهما طعم النوم والراحة، ولم أشعر بلذة لطعام أو مذاقاً لشراب .. واليوم اعترف أمام جميع الناس بفشل المحاولات التي قمت بها من أجل إخراج كابوس هذه (الجريمة) من عقلي وقلبي ومنامي، ولم أنجح بإطفاء نار الندم المشتعلة بكياني .

وهنا قد يستغرب بعض القراء من شعوري ورد فعلي هذا، وقد يجدني البعض مبالغاً واستثنائياً في التعبير عن حالة الندم وجلد الذات القاسي بسبب عدم زيارة صديق- حتى لو كان هذا الصديق عزيزاً - ..! 

وأنا أعذر هذا البعض، لأنه لايعرف أن ( أبو علي) نفسه استثنائي، استثنائي بحبه للناس، والوطن، والحزب الشيوعي الذي أحبه حباً  فريداً.. واستثنائي حتى في تركيبته وكيمياء روحه النقية.. فمن يصدق مثلاً لو قلت له إن أبا علي لم يكره شخصاً واحداً في كل حياته التي امتدّت لأكثر من سبعين عاماً، ولا أظن أن شخصاً واحداً يكره أبا علي في طول وعرض الكرة الأرضية.

فهذا الرفيق الذي أعرفه منذ أكثر من خمسين عاماً، والصديق القريب جداً  من عائلتي، لاسيما شقيقي الشهيد خيون ( ابو سلام) وشقيقي كاظم ( أبو كرار)، لم يزعل يوماً من أحد حتى لو كان زعلاً بسيطاً وقصيراً.

مرة سألته ممازحاً: أبو علي شلون شيوعي إنت وما تكره أحد ؟

فقال لي: يعني شنو؟

قلت له بحزم : أقصد أن للشيوعيين والكادحين - وأنت عامل وكادح وشيوعي معاً- أعداءً  طبقيين، مستغلين، مما يتوجب عليك بالضرورة محاربة هؤلاء الأعداء الطبقيين، وهذا يعني كراهيتهم، بينما أنت لاتكره أحداً، فكيف تفسر لي هذه ( الحزورة) مع هؤلاء ؟!

ضحك أبو علي، وقال: أسلمهم بيد الله !!

هذه هي استثنائية أبي علي التي هي جزء من استثنائية (جيل )، جيل غير طبيعي في حبه وغضبه ووفائه وصبره وقيمه وتضحياته..  جيل طيب جداً جداً، لكنه يغدو ناراً حارقة إن حاولت الإساءة له أو النيل من شخصه وكرامته وقيمته..

جيل إستثنائي بكل شيء، بما في ذلك الحزن والأسى والندم، وما ندمي وحزني هذا الذي تظنني مبالغاً في التعبير عنه، إلا بعض من استثنائية جيلي ومبالغته الصادقة في التعبير عن الحب والنقاء والجمال والوفاء، فلا تستغرب عزيزي القارئ لو وجدتني أجلد قلبي ندماً على ما فعلته بحق هذا الرجل الطيب والنقي حد الدهشة ، فأبو علي إنسان قد لا يتكرر أبداً .. وشيوعي لا يستنسخ منه أبداً، ونحن كذلك جيل لا يتكرر قطعاً، وشيوعيون ربما لن نستنسخ بعد الف عام، بقلوب نقية صافية، بيض مثل حمامات السلام.

ختاماً أقول لرفيقي وأخي وصديقي أبي علي الوحيلي:

بعد أيام قليلة جداً، ستحل الذكرى الأولى لرحيلك الفاجع، وهي ذات الذكرى لجريمتي الشنيعة بحقك وحق نفسي، فهل ستغفر لي كي أستريح من هذا الوجع الثقيل الذي لم يغادرني طيلة هذه السنة؟!

فالح الدراجي والراحل أبو علي الوحيلي