هل كان قرار السيد الخامنئي صحيحاً؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة 

فالح حسون الدراجي

منذ السبت (الأسود) الماضي، وثمة سؤال يشغلني دون أن أجد له جواباً محدداً حتى اللحظة.

وقطعاً فإن هذا السؤال سيشغل غيري ملايين الناس لو عرض عليهم، بل سيختلفون في إجابتهم عليه أيضاً، خاصة وأن في هذا السؤال إشكالية قيمية وعقائدية وتربوية وسياسية وأخلاقية تمنع الوصول إلى جواب سهل ومحدد.

والسؤال هو: هل كان قرار السيد الخامنئي بالبقاء في مكانه مع عائلته صحيحاً؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، دعونا أولاً نحيط الموضوع بتفاصيل مهمة قد لا تكون متوفرة لكل القراء.

والحكاية تبدأ من الزيارة التي قام بها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، قبل يوم واحد من العدوان الصهيوني على إيران. وفي هذه الزيارة نقل المستشار علي لاريجاني إلى المرشد معلومات أمنية واستخباراتية دقيقة عن جدية القرار الأمريكي الإسرائيلي هذه المرة، وإصرار “نتنياهو” المدعوم من الرئيس ترامب على تصفية السيد الخامنئي مهما كان الثمن. لذا يقترح المجلس الأعلى للأمن القومي على السيد المرشد الأعلى الانتقال إلى موقع أكثر أمناً من المجمع السكني العائلي الحالي، لا سيما وأن الموقع الجديد قد تم إعداده وتحصينه بشكل فائق جداً، بحيث يصعب اختراقه مهما كان نوع وحجم وقوة الصواريخ والقنابل المستخدمة، ومن المستحيل الوصول إليه .

وما أن انتهى لاريجاني من عرض مقترحه، حتى نهض السيد الخامنئي ليقترب من محدثه وهو يقول: أود أن أسألك يا سيد لاريجاني، وأريد منك جواباً صريحاً دون أية مجاملة: وأنت قادم نحوي، ماذا كنت تتوقع أن يكون جوابي على مقترحك هذا؟

صمت لاريجاني قليلاً ثم قال: لمصلحة الأمة وحاجة المسلمين لقيادتكم، توقعت يا مولاي أن توافق على الانتقال المؤقت مع عائلتكم ومكاتبكم إلى الموقع المحصن الجديد.

ابتسم السيد الخامنئي وقال له: هذا يعني أنك تريدني أن أختبئ من طائرات العدو حتى نهاية المعركة، أليس كذلك؟

قال لاريجاني: هو ليس اختباءً يا سيدي الولي، إنما هو اختفاء تتطلبه الظروف وتحتاجه حيثيات المعركة.

قاطعه السيد الخامنئي قائلاً: يبدو كلامك صحيحاً ومنطقياً من الناحية الأمنية والعسكرية والسياسية، خاصة وأنت أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في البلد، وتتعامل عادة مع أدق التفاصيل الأمنية. لكنه من ناحيتي ليس صحيحاً ولا مقبولاً بالمرة. أنا لست قائد الدولة فحسب وعليكم توفير الحماية الأمنية له، إنما أنا أحمل في خزانة قلبي مفتاح أحلام الإمام الخميني وسر الثورة الإسلامية التي تشرفت بحملها منذ أن التقيت أول مرة بالإمام قبل سبعين عاماً. وأنا خيط الثورة ووريث الشهداء وولي الدماء التي سقت أغصان مستقبلنا وكرامتنا وحريتنا.

أنا حاكم شؤون الأمة، والقائم على عقيدة “ولاية الفقيه” التي أرساها الإمام الخميني، وأنا الذي في عنقه أمانة وصيانة المذهب، وكرامة الإسلام. كيف تريدني أن أختبئ وأنا قدوة الحرس الثوري والباسيج، وقائد الجيش وقوى الأمن، وإمام الأمة؟

كيف سأطلب من الجندي والضابط أن يواجها العدو بثبات، وأطلب من الحرس الثوري الصمود والتصدي لطائرات العدو بشموخ، ومن رجال المقاومة القيام بأعمال استشهادية؟ بل كيف سأطلب من الشعب أن يقف بثبات وعزيمة في مواجهة صواريخ الاستكبار إذا كان القائد الأعلى مختبئاً في أعماق الأرض ؟!

أجابه لاريجاني: إنها ظروف المعركة مولاي، المعركة التي لم نخترها وإنما فرضت على جمهوريتنا الإسلامية فرضاً.

لكن السيد الخامنئي قال: لا تنس يا سيد لاريجاني أني حفيد الإمام الحسين، ذلك الإمام العظيم الذي مشى بنفسه وبقراره نحو يومه الموعود ومصيره المعلوم، مقاتلاً أعداء الله قبل أن يمشي إليه أعداؤه. فهيهات منا الذلة هيهات. وأعلم أني مستعد للموت بشرف ألف مرة، دون أن أعيش ذليلاً مختبئاً كما يختبئ الجبناء في الحفر.

ثم مد يده مصافحاً علي لاريجاني، شاكراً له حرصه.

بعد مغادرة لاريجاني، اجتمع السيد الخامنئي بأفراد أسرته عارضاً عليهم مقترح مغادرة المجمع السكني والانتقال إلى موقع محصن وآمن بشكل مؤقت ريثما تنتهي الحرب ويعودون اليه مرة أخرى. لكن جميعهم، صغاراً وكباراً، ذكوراً وإناثاً، رفضوا العرض طالبين البقاء معه مهما كانت النتائج.

وهكذا استقبل السيد علي الخامنئي مصيره الذي كان يعرفه تماماً، ضارباً بذلك مثالاً عالياً في قيم القيادة وأخلاق الإمامة الحسينية.

والآن، وبعد استشهاد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنئي، ومعه أغلبية أفراد عائلته وكبار قادة الجيش والحرس الثوري والدولة، وبعد الارتباك الواضح في المشهد القيادي الإيراني، والتسرع والارتجال ـ ولا أقول التخبط ـ الحاصل في بعض القرارات التي تسببت في إشكالات عديدة أثرت في مسار العلاقات الإيرانية مع دول الجوار ودول أوروبية وغير أوروبية، يعود السؤال الذي طرحته عنواناً لمقالي الافتتاحي: هل كان قرار السيد الخامنئي بعدم مغادرة سكنه ورفض الانتقال إلى مكان آمن صحيحاً، وهو المدرك لما سيحصل له؟ أم أن السيد أراد أن يكون مثالاً، وأن يجعل من دمه زيتاً لمشكاة الثورة كي تبقى جذوة النضال والمقاومة متقدة إلى الأبد، مسترشداً بموقف جده الحسين وسائراً على نهجه؟

وهنا إسمحوا لي أن أقول بأن الجواب على هذا السؤال صعب جداً عندي، وأجزم أنه بذات الصعوبة لدى غيري، فهو يخضع لاعتبارات تختلف من شخص إلى آخر. لذا وددت عرضه على القراء الكرام، رغم علمي أن الجواب لن يكون واحداً أبداً. إذ سيؤيد قرار السيد الخامنئي أعداد كبيرة من الثوريين والعقائديين الذين يفضلون الدين على الدولة، بينما سيختلف مع قرار السيد عدد كبير جداً من الذين يفضلون الدولة ويقدمون الواقع على قيم الثورة ومصطلحاتها.

في الختام أقول: لقد كان السيد الخامنئي يمسك بيديه شؤون الدين والدولة وحين أستشهد، إرتبكت الدولة دون شك .. وقد يقول أحدكم بأن مهمة اختيار مرشد جديد ستحسم خلال يومين ليس اكثر .. وأنا أقول : نعم وهذا امر مؤكد، لكن الشيء غير المؤكد توفر شخصية استثنائية مثل الخامنئي، فهذا الرجل عجنه الفقر والعوز، وخبزته المعاناة .. انخرط منذ صباه في طريق الجهاد والكفاح ضد نظام الشاه، حتى سجن ست مرات، قاتل في صفوف المقاومة والحروب وجرح مرات عديدة، قرأ آلاف الكتب الأدبية والاقتصادية والسياسية والفلسفية في فترات سجنه، ويقال أن سجيناً شيوعياً من حزب توده علمه اللغة الانگليزية في السجن، وبعد نجاح الثورة، وصله خبر اعتقال ( معلمه الشيوعي) فذهب بنفسه إلى المعتقل وأطلق سراحه، وفاءً لفضله عليه.

الخامنئي الذي تعلم أصول الفقه واللغة والدين في حوزة النجف ومدارسها الدينية، شخصية لن تتكرر أبداً، وإلا ما أختاره السيد الخميني ليكون خليفته رغم أن هناك مئات العلماء ورجال الدين الذين كانوا أعلى منه مرتبة دينية وعلمية.. لكن الخميني العبقري، قرأ في الخامنئي ما لم يقرأه فيه أحد غيره.

لقد خسرت إيران برحيل السيد الخامنئي قائداً فذاً، ولعل رفضه لمقترح لاريجاني كان سبباً في هذه الخسارة الفادحة ..