من منا لا يحب حميد مجيد موسى؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

كان من المفترض أن تُنشر هذه المقالة، وكذلك الملفّ الخاص برحيل القائد الشيوعي حميد مجيد موسى، قبل يومين، لكن اغتيال الإمام علي الخامنئي، وانشغالنا بتغطية هذا الحادث الجلل، جعلانا نؤجّل النشر إلى يوم غد.

وجواباً على السؤال المطروح في عنوان الافتتاحية: مَن مِنّا لا يحبّ حميد مجيد موسى؟

أقول جازماً وبضرسٍ قاطع إن أبا داود يكاد يكون السياسي الوحيد الذي لا تجد له كارهاً.. ولأنه قائد حزب شيوعي طبقي عنيد، فمن الطبيعي أن تجد له خصوماً سياسيين، لكنك قطعاً لن تجد فيهم كارهاً (شخصياً) له.. إذ ما بين الخصومة والكراهية مسافة طويلة وعريضة.. والدليل على ذلك أن رحيله الصادم قبل ثلاثة أيام قد أوجع آلافاً من العراقيين.. وما نراه على صفحات التواصل الاجتماعي من منشوراتٍ وتغريداتٍ وصور نعي ومقالاتٍ حزينةٍ كتبها أناسٌ عاديون، أمرٌ لافت لم يحدث كثيراً من قبل مع رجلٍ اشتغل في السياسة لأكثر من نصف قرن، وغادر موقعه الحزبي منذ سنواتٍ عديدة، خاصةً وأن رحيله جاء متزامناً مع حدث كبير متمثّل بالعدوان الصهيوني الأمريكي على الجمهورية الإسلامية، وانشغال الناس بمتابعة أخبار العدوان..!

لقد كان مصاب الشيوعيين وأصدقائهم بفقد أبي داود موجعاً جداً، فهم الذين اعتادوا حضوره اللامع في جميع مناسبات الحزب، ولا يريدون تصديق غيابه الأبدي عنهم، ولا أبالغ لو قلت إن أبا داود كان بمثابة الخيمة التي تجمعهم رغم كل اختلاف آرائهم في سياسة الحزب ومواقفه.

لقد كنت، ومعي المئات، نهرع لمصافحة أبي داود ومعانقته كلما رأيناه في حفلات الحزب، وكان هو في المقابل يتلقى تلك التحيات بحفاوةٍ بالغة.. وكان وجوده مصدر أمانٍ وثقةٍ وطمأنينةٍ لنا، رغم وجود قيادة الحزب المتمثّلة بسكرتير الحزب الرفيق رائد فهمي ورفاقه في المكتب السياسي واللجنة المركزية، لكن حضور أبي داود ووجوده أمام جماهير الحزب كان مهماً للغاية، ولا أعرف كيف ستكون المشاعر حين نحتفل بعد أيام بميلاد الحزب، ولا نجده في قاعة الحفل حاضراً معنا بأناقته وبهائه؟!

وهنا أودّ القول إن لكلٍّ منّا حكايةً وموقفاً مع الفقيد الراحل حميد مجيد موسى، وحكايتي معه تتمثل في موقفين تركا في نفسي وحياتي أثراً كبيراً..

الأول تمّ قبل نحو تسعة عشر عاماً، عندما تلقيت دعوةً من السيدة صفية السهيل، التي كانت وقتها نائبةً في مجلس النواب العراقي، وزوجها وزير حقوق الإنسان الأسبق السيد بختيار محمد أمين.. وقد كانت لي علاقة طيبة بالسيدة صفية السهيل منذ أيام المعارضة.. ولا أتذكر هنا المناسبة التي أُقيم من أجلها ذلك الحفل الصغير الذي تمّ في بيتها، لكني أتذكر بعض الشخصيات الحاضرة، مثل الدكتور برهم صالح - الذي كان يشغل وقتها منصب نائب رئيس مجلس الوزراء العراقي - والمناضلين الشيوعيين الراحل حميد مجيد موسى، عضو مجلس الحكم الانتقالي المؤقت، ومناوبه جاسم الحلفي.

وقتها لم تكن لي علاقة شخصية بأبي داود قط، لذلك كنت أعتقد أنه لا يعرفني، بخاصة أنني لم ألتقه في سنوات العقد السبعيني ولا بعدها.. لكني فوجئت به يصافحني بحرارة حين قدّمتني له صفية، قائلاً: أهلاً بشاعرنا أبو روزا  ..!

وأتذكر هنا أن الحفلة كانت بسيطة، والحضور قليلاً لم يتجاوز العشرين شخصاً.. ولما أردت المغادرة، سلّمت عليه، فصافحني وهمس في أذني دون أن يسمعه أحد: أريد أن أراك غداً إذا عندك مجال؟

قلت له: بكل سرور، رفيقنا.. لم أنم ليلتها، فقد كنت أفكر وأحلل وأبحث عن سرّ الموضوع الذي طلبني من أجله أبو داود !

وفي اليوم الثاني كنت في مقر الحزب أجلس قبالة الرفيق سكرتير الحزب.. وبدون مقدمات فاجأني أبو داود قائلاً: فالح، لماذا أنت خارج الحزب؟!

(صفنت) قليلاً لأستوعب المفاجأة، ثم قلت له: رفيقي العزيز، أنا داخل الحزب منذ عام 1970، ولم أغادره طيلة هذه السنين !

لكنّ أبا داود استدرك قائلاً: عفواً، عفواً.. لقد خانني التعبير.. أقصد: لماذا أنت خارج تنظيمات الحزب؟!

قلت له: هناك أسباب عديدة، من بينها ما يتعلق بي وبظروفي، ومنها ما يتعلق بالحزب وببعض الأشخاص.. ولكي أتخلص من الحرج، قلت لأبي داود: أنا، وكما تعرف، شاعر، والشاعر بطبيعته يعشق الحرية ويكره القيود، حتى لو كانت قيوداً ( شيوعية)، ملونةً وجميلةً، فالشاعر كالعصفور يهوى الطيران في فضاءات الجمال والحب والرومانسية..

لقد كنت أحكي وأبرر بقوة، لكني كنت متأكداً من أن الرجل لم يكن مقتنعاً بما أقوله.

فجأة وقف أبو داود وهو يقول: فالح، أنا أعرف أنك تحب الحزب جداً، وتودّ العودة إلى صفوفه، ولا أريد منك الجواب الآن، إنما أطلب منك التفكير جيداً.. فخذ قرارك بتأن، وأنا بانتظارك.

خرجت من مكتب أبي داود وأنا فرِحٌ وسعيدٌ بهذه الدعوة الكريمة التي شرّفني بها سكرتير الحزب، لكني رغم ذلك لم أجب على دعوته قط، لأسبابٍ عديدة، وبقي الأمر هكذا إلى أن تلقيت بعد سنوات عديدة، دعوةً رسميةً ( للعودة) من الرفاق الأعزاء في المكتب السياسي للحزب، وذلك بعد اختتام أعمال المؤتمر الوطني الحادي عشر في شهر آذار / مارس 2022.. ولعلّ الجميل في الأمر أنني التقيت عشرات المرات بأبي داود، دون أن يسألني عن (الجواب)، بل ودون أن يعاتبني أو يزعل مني قط.. وهنا يجب أن أقول إن أبا داود هو أول شيوعي يفاتحني ويطلب مني العودة إلى الحزب منذ مغادرتي التنظيم قبل أكثر من أربعين عاماً، وهو أيضاً أول من وضع موضوع (العودة) في قلبي وعقلي بعد أن نسيته، ووصلت إلى (سنّ اليأس) دون أمل ما.. إن هذا الموضوع ليس سهلاً بالمرة، وقد لا يعرفه سوى الشيوعيين العشاق الذين عاشوا نفس ظروفي ومعاناتي وصبري الطويل.

أما الموقف الثاني مع أبي داود فقد كان في عام 2008، عندما كتبت أوبريت (إنت باچر وإنت أمس) بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي، وقد ضمّ الأوبريت سبع أغنيات وعشر لوحات كتبتها جميعاً، حيث تولّى الفنان الراحل طارق الشبلي تلحينه، وقدّمته فرقة “الناس” البصرية بالاشتراك مع فرقة الفنون الشعبية في البصرة.. ولأن العرض كان في بغداد، وتسجيل الأغنيات مع اللوحات في ستوديو تجاري، فإن تكاليفه ومصاريف الإقامة ستكون باهظة، وأعلى من كل المبلغ الذي خُصص لتغطية فعاليات الاحتفال.

وهنا اتصل بي الراحل طارق الشبلي طالباً مني الاتصال بالرفيق جاسم الحلفي لكي يتحدث مع الرفيق أبي داود ويقنعه بضرورة إجراء لقاء يجمعه مع أبي داود والحلفي، لكي يسمعهما بعض لوحات الأوبريت شخصياً وليس عن طريق التسجيل.. وحين سألته عن السبب، قال: إن الحزب رفض الأوبريت لأسباب مالية، وأنت تعرف يا فالح أن في الأوبريت لوحةً غنائيةً موجعةً عن الشهيد سلام عادل، وأنا واثق أن أبا داود حين يسمعها مني شخصياً مع آلة العود، فلن يصمد عاطفياً، وستنهمر الدموع من عينيه، وسيوافق في الحال..

ثم أكمل طارق قائلاً: أنا أعرف أبا داود جيداً، وأعرف  مشاعره النبيلة وحبه للشهيد سلام عادل.

وفعلاً اتصلت بأبي أحلام، الذي نجح في ترتيب لقاء تمّ في مكتبه بمقر الحزب في بغداد.. وكما وعدني طارق الشبلي، فقد غنّى أمامهم وأجاد، وأبكاهم جميعاً، وليس أبا داود وحده.. وفي غمرة تلك المشاعر النقية، أعلن أبو داود وأبو أحلام دعمهما للأوبريت وتمويل تكاليفه.

ولأسباب تتعلق بظروف العراق آنذاك تمّ تأجيل الحفل، ليُعرض الأوبريت بعد أقل من أربعة أشهر بمناسبة الذكرى الخمسين لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة، وعلى خشبة المسرح الوطني، ويحقق نجاحاً لم يحققه أوبريت غيره من قبل، حتى إن الجمهور ظل يصفق بعد نهاية العرض لعدة دقائق، بل إن الجمهور رفض مغادرة المسرح مطالباً بإعادة عرض لوحاتٍ منه.. لقد كان هذا الأوبريت علامةً فارقةً في مسيرتي الشعرية والسياسية، وكل الفضل يعود للراحل حميد مجيد موسى وللمناضل جاسم الحلفي- طال عمره - وهنا يتوجب عليّ أن أذكر بكل الحب الملحن الراحل طارق الشبلي، والشاعر والفنان الفذ علي العضب الذي ساهم في كتابة السيناريو لأكثر من لوحة، وأذكر كذلك كادر العمل الفني، كالفنان جبار عبود، ولازم كريم السراجي، والمخرج الفنان محمد سعيد الربيعي، وجميع المنشدين والمنشدات الرائعين، وكل الإداريين.

تحيةٌ لأبي داود كلما طلّ آذار بأعياده وزهوره، وكلما رنّ عود الإبداع وصدحت الأصوات مبتهجةً بميلاد الحزب الشيوعي العراقي.