بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
فجعت يوم أمس الأول، بخبر نشره الصديق العزيز الفنان قاسم ماجد على صفحته الشخصية ينعى فيه الشاعر الكبير مهدي عبود السوداني. ورغم أن الموت ( حق )، بل هو الحقيقة الوحيدة في الوجود، ورغم أن أبا صلاح تجاوز الخامسة والثمانين من عمره، فضلاً عما كنت أسمعه من أخبار مقلقة عن وضعه الصحي، ومعاناته مع المرض، لكني حقاً صدمت بنبأ رحيله صدمة عنيفة، وكأن أمراً غريباً أو شيئاً استثنائياً غير متوقع حصل، وليس موتاً طبيعياً لإنسان طبيعي تجاوز مرحلة الشيخوخة..!ولا أكشف سراً حين أقول، إني تلقيت خلال السنوات الأخيرة أنباء مفجعة كثيرة، شملت عدداً غير قليل من الناس القريبين والبعيدين، وبمختلف الأعمار والأجناس، فكانت أنباء رحيلهم تؤلمني وتؤذيني دون شك، لكنها صدقاً لم تفاجئني. ربما لأني اعتدت في سنين غربتي الطويلة سماع أنباء الوفيات التي تردني من داخل العراق، حتى صار الأمر طبيعياً بل وروتينياً عندي أيضاً.. وهنا قد يسألني أحد الأحبة ويقول: لماذا إذن صدمت بنبأ رحيل الشاعر مهدي عبود السوداني مادمت تدرك أن الموت حق، وهو الحقيقة الوحيدة في هذا الوجود ؟! وجوابي يتعلق بصديقي مهدي السوداني نفسه، وبعدد قليل من الأسماء التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ربما.. نعم فالقضية تتعلق بشاعر .. ولكن أي شاعر هو ؟! إن شاعراً مثل مهدي عبود السوداني يجعلك تعتقد أن ثمة شعراء خلقوا ليعيشوا إلى الأبد، كي يرسموا على أوراق الحياة أحلى صور الحب والجمال، وليجملوا لنا الزمن القبيح رغماً عن أنف ويد القبح والخراب والدم والدمار والفناء.. ومهدي السوداني في اعتقادي واحد من هذه القلة القليلة من الشعراء الذين ميزتهم الأقدار، واستثنتهم الطبيعة لأداء مثل هذه المهمة الجمالية والإنسانية الباذخة والفذة. أما لماذا صدمني ( موت ) الشاعر مهدي السوداني، ولم يصدمني رحيل شعراء آخرين رغم شاعريتهم العظيمة والفذة والباهرة ؟ فأقول معترفاً: إن صدمتي لم تأت لأسباب منطقية، إنما - وهذا مؤكد وليس اعتقاداً - جاءت بسبب شعور شخصي جداً، شعور هو أشبه بوهج ناعم اتّقد يوماً ، ليضيء علاقاتنا أنا وهذا الشاعر الرقيق منذ أول لقاء جمعني به قبل أكثر من خمسين عاماً في مهرجان شعري بإحدى المحافظات العراقية.. ذلك اللقاء الذي اجتمعنا فيه أنا ومهدي السوداني وعدد من الشعراء الأحبة مثل الراحلين الكبيرين كريم العراقي وكاظم إسماعيل الكاطع والشعراء الأعزاء رياض النعماني وكامل الركابي وبشير العبودي ومكي الربيعي والشاعر والفنان قاسم البديري - الذي كان صبياً آنذاك- وغيرهم، أطال الله في أعمارهم.. إذ شعرت وقتها أن وهجاً سحرياً شعّ حولنا فأضاء لي مكنونات مهدي السوداني الجمالية وقيمه الأخلاقية بدون عائق، بل وكشف لي أيضاً عن عمق موهبته، ونصاعة شاعريته، وروعة انسانيته، لأستدل من خلال ذلك الشعور أن مهدي عبود السوداني ولد وفي يده مفتاح بساتين الورد والبرحي والرمان، وجنان الحب والعذوبة والرقة والسلام.. ولاجل ذلك ارتأت الطبيعة ان يظل هذا الشاعر العذب بمثابة الوصي، و(الناطور) الأمين المؤتمن على هذه البساتين الباذخة، لذلك منحته الأقدار حق البقاء والخلود دون غيره، حباً بالجمال وخدمة للحياة والوجود والخلق وديمومة الحب وضمان المستقبل.. وهنا قد يتهمني البعض بالجنون والخبل، ويقول : إن في كلامك هذا خرقاً للواقع وتسفيهاً لآلية الكون ونظام الحياة والموت ؟!وأنا أقول نعم إن في كلامي هذا جنوناً، ولكنه الجنون الجميل المدهش ، والخبل الذي يخلق المستحيل ، ويبتكر الروعة ويفجر ينابيع الأمل ويغذي أنساغ الإبداع وأزهار الجمال إلى الأبد.. ولِمَ لا، ألسنا الشعراء المتّقدين بشعلة الجنون واللامعقول.. أليس الوجع حرفتنا، والليل خزانة أسرارنا وحماقتنا ومحفظة لوعاتنا الأبدية؟! لقد قلت منذ البداية إن في كلامي (فنتازيا) وسريالية وغير منطقية، لكني أصرّ على أن كلامي حقيقي جداً بل وصادق عاطفياً جداً.. ولو قدر لكم ان تروا (أبا صلاح) كما رأيته أنا، وتبصروه كما بصرته طيلة نصف قرن، وتقتربوا من جوهره وعمقه وحقيقته، وتلمسوا حرير عاطفته، أو تنهلوا يوماً من سواقي دعته وطيبته، وتشموا بعض ياسمين وداده ومحبته لأهله و( بصرته ) ومبادئه ورفاقه وأصدقائه، ساعتها فقط ستؤمنون بما قلته عنه، وتتأكدون من أن كلامي هذا (عقلاني) جداً، وصحيح تماماً !! نعم، ستعرفون أن مهدي عبود السوداني شاعر رقيق جداً جداً، وإنسان رقيق، وصديق أصدق من الصدق فضلاً عن أنه وديع ونقي وأمين بشكل لا يصدق.. فهو يشبه إلى حد ما، ذلك البهي الذي وصفته في احد نصوصي الغنائية بقولي : (غمض وامشي وياه). نعم (غمض وامشي وياه)، فهو مسالم حد الدهشة .. والدليل على ذلك، أتذكر في السنة الأولى التي مرت على بدء الحرب العراقية الإيرانية تحديداً، أقامت وزارة الثقافة والإعلام مهرجاناً للشعر الشعبي دعماً للمعركة والجيش .. شارك فيه شعراء كثيرون جاؤوا من بغداد ومختلف المحافظات الأخرى.. وقد كنت حاضراً ومستمعاً مع بقية الجمهور الحاضر في تلك القاعة.. كان مهدي عبود السوداني مشاركاً ضمن وفد شعراء البصرة.. وحين ألقى ( أبو صلاح ) قصيدته وانتهى منها، شعرت بشيء من الدهشة والاستغراب، وأحسست أن ثمة شيئاً غير طبيعي يحصل، فالقصيدة التي قرأها مهدي (هزلية) بل وهزيلة أيضاً، ولا تنسجم وشاعرية أبي صلاح الفذة، كما أن هذا الشبح الذي يقف خلف المنصة ليس بمهدي السوداني قطعاً، لقد بدا لي شخصاً آخر تماماً .. بعد نزوله من المنصة، مضى مهدي نحو (كاونتر) الضيافة في القاعة ليتناول الشاي أو القهوة .. نهضت من مقعدي ولحقت به.. سلمت عليه.. كان وجهه أصفر كالليمون، ويداه باردتين كالثلج .. احتضنني وقال: ها أبو روزا، قصيدتي مو حلوة مو.. ؟! حاولت التهرب من الإجابة، لكنه ابتسم وأشاح وجهه عني وهو يقول: خويه ما أعرف أكتب للحرب .. هي گوه خو مو گوه ..ما أعرف ! نظرت اليه، وقلت في نفسي : نعم يا صديقي أنت صادق في ما قلت .. فمثلك خلق ليكون شاعراً خاصاً للحب والحياة و الجمال والسلام، وليس شاعر حرب ودم وقتل وخراب .. أنت لا تملك لغة الموت والنار والعداء، إنما ازدحمت خزانة قلبك الشعرية بلغة الود والنور والبلابل والصباحات المعطرة بأريج القديسة فيروز وليس بغير ذلك.. أنت معذور والله ياصاحبي. ومنذ خمسة واربعين عاماً حتى يوم رحيله لم أرَ مهدي عبود السوداني واقفاً خلف منصات قصائد الحروب ..! وهنا أدعوكم إلى أن تدققوا في أبجدية مهدي عبود السوداني الشعرية لاسيما الغنائية واحصوا كم فيها من تلال الورد وخيوط البريسم وعناقيد الجمال وجروف العيون .. هاكم مثلاً رائعته التي صاغها لحناً، العبقري الراحل كمال السيد، وغرد بها الجميل الراحل سامي كمال، وقطّرها عسلاً في أسماعنا وأفواهنا الكبير حسن بريسم - حسن الذي تنازل عن اسم أبيه غضيب من أجل (عيون البريسم) - لقد كنا نختتم مع حسن البريسم جلساتنا في ليالي تلك السنين بأغنية (بين جرفين العيون) وكأننا نردد مع حسن نشيدنا الوطني إيذاناً بنفاذ صلاحية الليل .. يقول أبو صلاح السوداني: "بين جرفين العيون إغرگت والروجة رمش .. تبهتني وردت إگلك هاك إخذ گلبي وإمش.. وانا اجيك بشوگي طافح .. بين الومك بين اسامح .. ياما جنت اسهر واساجيك بدموعي.. وانا چاتلني العطش..!! يالبريسم شرد اعاتب.. شرد اعاتب يالبريسم .. وانت تسبگني بعتابك ، ابعتابك يالبريسم.. وانسى كل مارد اگلك يالبريسم ..!من كثر هم الليالي.. ذوبت حتى الليالي.. وياما چنت اسهر واساجيك بدموعي .. وآنا چاتلني العطش" ..! والآن أليس من حقي أن أدهش وأستغرب لموت ناطور بستان الحياة والحب والسلام، وحرير البريسم ؟!
شاعر البريسم مهدي عبود السوداني
*
اضافة التعليق
حين يسقط ( النصر ) في وحل العار .. انقلاب 8 شباط أنموذجاً دامغاً ..!
هل لإيران علاقة بتفجير قنبلة جزيرة ( أبستين ).. وما هو دور الموساد في هذه العملية ...؟!
الخلاف في ( الإطار) يفسد للود ألف قضية
طرگاعة لفت ترامب ..!
( حية ) داعش .. و ( حبل ) الجولاني ..!
بوري أمريكي أبو الـ 24 إنج