بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة فالح حسون الدراجي
قبل ثلاثة وستين عاماً وفي مثل هذا اليوم تحديداً، انقلب البعثيون الفاشيون على جمهورية العراق الديمقراطية الفتية، فقتلوا بشكل غادر زعيمها، ومحرر بغداد من قيود الاستعمار وأحلافه وأذنابه وقواعده ومرتكزاته.. وأقصد به الزعيم والشهيد البطل عبدالكريم قاسم، ومعه كوكبة من أشرف ما أنتجت العسكرية العراقية الباسلة من قادة أفذاذ عبر مسيرة الجيش العراقي الظافر.. وإذا كان انقلاب (شباط الأسود) قد نجح عسكرياً بفعل عوامل خارجية وداخلية، كان بعضها خارجاً عن يد الثورة وقادتها، وبعضها جاء (من يد) قادة الثورة أنفسهم، بسبب نوايا الزعيم الطيبة، وسياسته السمحاء التي شيدها على ثقة مفرطة بالذات، وعلى أساسات وردية حالمة، مفادها أن الاخرين جميعاً طيبون مثله، ظاناً أن كل أعدائه، وخصومه يحملون مواصفاته الشريفة، النبيلة، فيسامحون مثله، ويعملون كما يعمل هو، لاسيما في سياسته التي كان شعارهاً: " عفا الله عمّا سلف" !! . أقول إذا كان البعثيون قد نجحوا عسكرياً في انقلابهم العار ـ ذاك، فإنهم سقطوا أخلاقياً وشعبياً وتاريخياً حتماً، لأن النجاح الحقيقي برأيي لا يأتي عبر اختطاف السلطة في غفلة من التاريخ، ولا يقاس عبر البقاء في الحكم كذا شهراً أو سنة، إنما يقاس بما يحققه من منجزات، وما يتركه في ذاكرات الناس، وعلى صفحات التاريخ، وبما سيدون على لوائح الشرف من تفاصيل معطرة بكلمات الاحترام والتقدير . ناهيك ممّا سيحصده ويناله من حب وتعاطف شعبي وجماهيري حقيقي ودائم لن ينقطع . والسؤال الأهم هنا: هل نال انقلاب الثامن من شباط بعضاً من أريج الباقة من النتائج التي ذكرتها آنفاً.. أو هل ظل شيء من هذا الانقلاب يستحق البقاء في الذاكرة الجمعية والتاريخية أم لا ؟ التاريخ يجيب ويقول: إن ما جرى في يوم 8 شباط العام 1963 كان وصمة عار في جبين المشاركين بالانقلاب، دون استثناء، حتى أن أبناء وأحفاد المتآمرين باتوا اليوم وكل يوم يخجلون من إرث آبائهم وأجدادهم، ويستحون من مشاركتهم بصناعة عار هذا الانقلاب الغادر ، وكم تمنوا لو لم يكن لآبائهم أي ذكر فيه ..! نعم، لقد صار انقلاب 8 شباط لعنة وسُبّة، وعاراً على جميع البعثيين وعوائل المشاركين فيه دون استثناء. وبنتيجة ذلك، ظل انقلاب شباط بشكله ومحتواه وأسبابه ونتائجه ونهايته الطبيعية المخزية، لطخة سوداء في سجل حزب البعث الدامي، المزدحم بالغدر والخيانة، وظلت هذه اللطخة عالقة به وبعقيدته، وبأعضائه السابقين واللاحقين ولن تمحى إلى يوم يبعثون.
إن (انتصار) البعثيين كما يدعون في شباط 1963 كان في الواقع هزيمة اخلاقية وانسانية ماحقة وساحقة لهم و لمشروعهم العقائدي الفاشي.. ولعمري فإن هذا الأمر يحدث لأول مرة، إذ لم يحدث من قبل أن هُزم (النصر) في أولى ساعاته.. بل ومنذ لحظة تفكير المخططين للانقلاب على ثورة شعبية وطنية حققت المنجزات العظيمة واحداً تلو الآخر دون توقف رغم المؤامرات الداخلية والخارجية. وقطعاً فإن هزيمة الانقلاب قد بدأت برأيي ورأيي المتابعين منذ أن تحرك (القطار الامريكي) بعرباته الإستخبارية ناقلاً عُدّة التآمر ومخططات الدم والقتل والتدمير لعصابات البعث.. لاسيما العربة التي كانت تحمل قوائم أسماء الشيوعيين والوطنيين والضباط الاحرار الذين باتت على الانقلابيين تصفيتهم قبل أي شيء. وبالفعل، فقد نفذ انقلابيو شباط إرشادات أسيادهم بدقة ومهارة فائقة وابتدؤوا انقلابهم باغتيال الشهيد الطيار البطل جلال الأوقاتي قائد القوة الجوية آنذاك، فجعلوا من نجاحهم في اغتياله ساعة الصفر لبدء انقلابهم الغادر.. ولم ينتهوا من القائمة حتى أكملوا اغتيال واختطاف الاسماء المعروضة للقتل في تلك القائمة السوداء !!
واليوم وبعد ثلاثة وستين عاماً على ذلك اليوم المؤلم، أعيد ذات السؤال الذي كنت قد أطلقته في مقالة كتبتها قبل عشرين عاماً تقريباً، والسؤال يقول: ماذا بقي اليوم من أسماء (متآمري) شباط في ذاكرة التاريخ وذاكرة العراقيين؟.. أي، هل ظل أحد منهم على شاشة استذكارنا، وإذا كنا فعلاً سنتذكر واحداً من تلك الأسماء، فكيف يكون شكل استذكارنا لهذا الاسم. والجواب الحقيقي هو أن عجلة التاريخ المنصفة قد دهست وداست على كل أسماء انقلابيي شباط الأسود دون استثناء. بينما في المقابل، احتفظ التاريخ في سجلاته الناصعة بأسماء كوكبة من الرجال الوطنيين الذين طرزوا سجلات الشرف بأفخر الأمجاد، وعطروا صفحات التاريخ بأروع الملاحم البطولية، فدافعوا عن حرية العراق وسعادة الشعب حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم الشريفة ..انظروا إلى شاشة التاريخ وستجدون عشرات بل مئات الأسماء والصور الجميلة الباهرة.. كصور الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم التي ظلت خالدة في قلوب ومخابئ الناس قبل ان تخلد في كتب التاريخ.. أجل، فقد أخفى الناس صور الزعيم في قلوبهم، وفي صناديق لا يخفى فيها الا الغالٍي النفيس جداً .. ويوم سقط البعثيون في التاسع من نيسان 2003 ركضت الجماهير الشعبية نحو الشوارع وهي ترفع صور الزعيم الخالد تلك، وكأنهم يبايعونه على عرش قلوبهم، فيستعيدون بذلك حقاً كان قد اغتصبه منه القتلة في الثامن من شباط. ولأن التأريخ منصفٌ حقاً.. والناس البسطاء عادلون جداً، فقد منحوا لكل عنصر من عناصر ذلك الزمن حقه، فأغدقوا على البطل الشريف بحبهم وتقديرهم، بينما ركلوا أسماء القتلة المجرمين بأحذيتهم، وأشعلوا في صورهم نيران القصاص العادل، تلك النيران الملتهبة بزيت البغض و الكراهية والاحتقار والإهمال لكل من تلطخت يده بدماء الوطنيين العراقيين النجباء في ذلك الإنقلاب المشؤوم والتهمت كل مالهم وبهم من ذكر وتذكار !! فطوبى للشهيد عبدالكريم قاسم في ذكرى شباط، حين استقبل رصاص القتلة بعينين مفتوحتين رافضاً وضع العصابة السوداء على بصره لحظة تنفيذ الإعدام. وتحيةً له وللشهداء الأبطال فاضل عباس المهداوي، ووصفي طاهر، وعبدالكريم الجدة، وماجد محمد أمين وبقية الكوكبة المرافقة له. وتحيةً كبيرة للشهيد البطل الخالد سلام عادل أسطورة الشهادة العراقية الجسورة وجميع رفاقه الشيوعيين الأفذاذ من النساء والرجال، الذين عطروا صفحات التاريخ بدمائهم الزكيّة ..
*
اضافة التعليق
هل لإيران علاقة بتفجير قنبلة جزيرة ( أبستين ).. وما هو دور الموساد في هذه العملية ...؟!
الخلاف في ( الإطار) يفسد للود ألف قضية
طرگاعة لفت ترامب ..!
( حية ) داعش .. و ( حبل ) الجولاني ..!
بوري أمريكي أبو الـ 24 إنج
هالليلة عيد .. برشا ومدريد