العراق اليوم ينشر تقرير سام داغر: السوداني بين ايران وترامب .. معركة القرار في ثاني اكبر منتج للنفط داخل اوبك.

بغداد- العراق اليوم:

في تقرير تحليلي معمق يسلط الصحافي سام داغر الضوء على اللحظة المفصلية التي يمر بها العراق، حيث يجد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نفسه امام معادلة شديدة الحساسية بين النفوذ الايراني المتجذر، ورغبة الادارة الاميركية بقيادة دونالد ترامب في اعادة رسم التوازنات السياسية والاقتصادية داخل بغداد.

التقرير يقرأ تحولات المشهد الامني وضغوط النفط وتعقيدات الداخل العراقي، وحدود المناورة السياسية في بلد يقف على مفترق استراتيجي حاسم. فيما يلي نص التقرير.

عراق متحول يواجه خياراً حاداً بين ايران وترامب.

بينما يتعافى البلد من الغزو الاميركي الكارثي، يجد نفسه مشدودا بين جارته ايران التي بنت نفوذا على مدى عقود، ورئيس اميركي يريد ان يكون لواشنطن نفوذ اكبر في ثاني اكبر منتج للنفط في اوبك.

بقلم: سام داغر.

على طول طريق مطار بغداد في العاصمة العراقية، تنتصب عشرات اللوحات الاعلانية التي تحمل صور رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، مرفقة بشعار انتخابي مستوحى من دونالد ترامب، العراق اولا.

وتتخلل هذه اللوحات صور عملاقة لقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني، وزعيم الجماعات (...) العراقية ابو مهدي المهندس، اللذين قتلا في ضربة بطائرة مسيرة بامر من ترامب قرب المطار نفسه، وقد كتب تحتها لن ننسى دماء شهدائنا.

تعكس هذه الصور المتقابلة اللحظة المفصلية التي يمر بها العراق اليوم، البلد العربي البالغ عدد سكانه 47 مليون نسمة، وثاني اكبر منتج للنفط في منظمة اوبك. فالعراق ممزق بين ايران التي تسعى للحفاظ على قبضتها الطويلة الامد على جاره، وبين الولايات المتحدة القوة العظمى التي ادى غزوها عام 2003 الى تدمير البلاد وزعزعة استقرار الشرق الاوسط لجيل كامل.

تحدث ترامب وعدد من المقربين منه علنا عن تحرير العراق مما يصفونه بالهيمنة الايرانية ونفوذ السياسيين والجماعات الموالية لطهران. 

ويريد الرئيس الاميركي ان يعطي العراق والمنطقة المنهكة بالحروب الأولوية للأعمال والتنمية الاقتصادية بدل الصراعات. 

ويشمل ذلك دفعا مشتركاً من السوداني وواشنطن لاشراك شركات النفط الاميركية مثل شيفرون واكسون موبيل بشكل اوسع في قطاع النفط العراقي الذي ينتج حالياً نحو 4.4 ملايين برميل يوميا.

التحرك الجريء الذي اقدم عليه ترامب هذا الشهر لاعتقال رئيس فنزويلا اظهر الى اي مدى هو مستعد للذهاب لفرض ارادته عالميا وتعزيز مصالح صناعة النفط الاميركية.

 وفي الوقت نفسه، تظهر الاحتجاجات الدامية التي اجتاحت ايران في الاسابيع الاخيرة، والتي يراها كثيرون اخطر تحد للنظام منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، ان النظام في طهران اضعف من اي وقت مضى.

ورغم ان المرشد الاعلى علي خامنئي تمكن في الوقت الراهن من تجنب ضربات اميركية وقمع الاحتجاجات بعنف أدى الى مقتل ما لا يقل عن 4 الاف شخص خلال أسابيع بحسب منظمات حقوقية، فان المواجهة بين طهران واعدائها، الولايات المتحدة واسرائيل، لم تنته. 



وقد قال ترامب لموقع بوليتيكو ان الوقت قد حان لقيادة جديدة في ايران، وسط تقارير عن تعزيز الوجود العسكري الاميركي في المنطقة.

سقوط النظام الايراني ستكون له تداعيات هائلة على الشرق الاوسط، لكنه قد يكون وجوديا بالنسبة للعراق وغالبيته الشيعية التي تحكم البلاد منذ اسقاط نظام صدام حسين ذي الهيمنة السنية. 

فعلى مدى عقدين، عملت ايران على ابقاء الشيعة في العراق موحدين ودعمتهم ضد التمردات السنية بما فيها تنظيم داعش.

ويخشى كثير من العراقيين ان يؤدي تغيير النظام في ايران الى فوضى على الحدود وتفكك البلاد المجاورة على اسس طائفية وعرقية، ما سينعكس حتماً على استقرار العراق ويختبر تصدعاته الداخلية. 

فوسط وجنوب العراق ذوا اغلبية شيعية عربية، وغربه وشماله الغربي سني عربي، فيما يشكل شماله اقليما شبه مستقل تسيطر عليه الاحزاب الكردية.

هذا الواقع دفع قادة سياسيين عراقيين، كثير منهم قريبون من طهران، الى التردد لأشهر بشأن تجديد ولاية السوداني لولاية ثانية بعد أدائه القوي في الانتخابات البرلمانية.

في خطوة مفاجئة لكسر الجمود السياسي، سحب السوداني ترشيحه هذا الشهر لصالح رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي المحسوب على ايران. غير ان السوداني يراهن وفق ثلاثة مصادر مطلعة على ان المالكي مثقل بأرث سياسي يمتد لنحو 20 عاما، ولن يتمكن فعلياً من العودة الى المنصب. فالمالكي يعد شخصية خلافية، ولا يتمتع بعلاقات قوية مع ادارة ترامب او الدول الخليجية.

من جانبه، قال النائب ضياء الناصري المقرب من المالكي ان ترشيحه محسوم، نافياً اي شكوك حول فوزه.

وبحسب المصادر، اذا فشل المالكي، يعتقد السوداني ان الترشيح يجب ان يعود اليه بصفته صاحب الكتلة الاكبر. وينتظر ان يصوت البرلمان نهاية هذا الشهر على منصب رئيس الجمهورية، الذي سيكلف بدوره الكتلة الشيعية الأكبر بتسمية رئيس الوزراء خلال 15 يوما.

يزيد المشهد تعقيداً قرب زيارة مرتقبة الى بغداد للمبعوث الخاص لترامب مارك سافايا، الذي اشاد علنا بالسوداني. وقال مسؤول اميركي رفيع ان واشنطن تريد عراقا للعراقيين انفسهم، ينمو عبر التجارة.

وعلى مدى العامين الماضيين، انتهج السوداني مسارا وسطيا في تداعيات حرب غزة وهجوم 7 تشرين الاول، مستفيداً من تراجع نفوذ ايران لدفع العراق بهدوء نحو الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين وتركيا دون الدخول في مواجهة مباشرة مع طهران.

لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر، تفكيك الجماعات الموالية لايران، وجذب الاستثمارات الغربية واشراك الشركات الاميركية دون استفزاز القوى الشيعية المدعومة من طهران.

يزيد التحدي تعقيداً تراجع اسعار النفط بنسبة 20 في المئة خلال عام الى نحو 65 دولارا للبرميل، وهو مستوى يقترب من نقطة الانكسار التي قد تعجز عندها الحكومة عن دفع الرواتب وفق بلومبرغ ايكونوميكس.

وقال السوداني في مقابلة مطولة ان العراق يعتمد الحياد الإستراتيجي ولا يريد الانضمام الى اي محور، بل بناء علاقات ايجابية مع الجميع.

نحن ننتقل من مرحلة الى اخرى، لا نريد ان نكون مصدر ازمات بل مفتاحاً للحلول.

واشنطن تضغط لتفكيك او اصلاح هيئة الحشد الشعبي التي تضم فصائل موالية لايران، لكن السوداني يؤكد ان حلها يتطلب تشريعا برلمانيا وانه يعمل على اصلاحها لضمان حصر السلاح بيد الدولة.

واشار الى انه نجح بعد 7 تشرين الاول في ايقاف الهجمات على المصالح الأميركية داخل العراق، قائلا قلت لهم لن اقبل باستمرار هذا الوضع.

يرى رجال اعمال عراقيون ان المجتمع تعب من شعارات المقاومة ويريد مستقبلاً شبيها بالخليج.

 لكن افتصاديين يحذرون من ان تنفيذ رؤية السوداني يتطلب قرارات صعبة مثل خصخصة شركات الدولة، وتقليص الوظائف الحكومية، ومحاربة الفساد المتجذر.

ويختم مراقبون بان السوداني مهما حاول الموازنة، سيجبر في النهاية على اتخاذ قرار حاسم بين واشنطن وطهران.

اذا اراد ان يكون قوياً وينفذ اجندته، فعليه ان يقطع فعليا مع شركائه الحاليين، يقول معلق سياسي مقرب من التيار الصدري.