بوري أمريكي أبو الـ 24 إنج

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

اتصل بي أمس صديقي ( كاكه حويز)، وكاكه حويز مناضل كردي شجاع، قاتل سنوات طويلة في صفوف البيشمرگة، وكان رفيقاً وصديقاً مقرباً من البطل الأسطوري نجم الدين طالباني، المعروف باسم (مام ريشة).. وقبل التحية والسلام، بادرني كاكه حويز غاضباً وهو يصيح بصوته الأجش: كاكه فالح، شفت أمريكا شسوت ؟!

قلت له: شسوت أمريكا ؟

قال: الأمريكان ضربونا بوري أبو ال 24 إنج ..

ضحكت وقلت له: ما جاي أفتهم شنو الموضوع ؟ قال: امريكا باعت أكراد سوريا للإرهابي الجولاني ..!قلت له: وأين الغريب في الأمر ؟!

قال: شتقصد كاكه ؟

قلت : أقصد شنو الجديد في الموضوع، وهل هذا التخلي، أو البيع كما تسميه جديد على ( ماما امريكا ) ؟

قال: لكن قوات سوريا الديمقراطية (قسد ) شركاء مع أمريكا في مقاتلة تنظيم داعش، وحلفاء بالتصدي للإرهاب في سوريا، وقد قدم الكرد في هذا التصدي البطولي مئات الشهداء، كما حققوا نجاحات كبيرة في عملياتهم الدفاعية والهجومية، وقتلوا أعداداً كبيرة من إرهابيي داعش، فضلاً عن اعتقال الآلاف من هؤلاء المجرمين الذين يقبعون اليوم في سجون قسد، والخشية كلها من هروبهم أو تهريبهم أو حتى إطلاق سراحهم من قبل جماعة الجولاني، ولا تنس أن الجولاني أو الشرع كما يسمى اليوم هو إرهابي مثلهم، ألم يكن نفسه أحد قادة تنظيم داعش قبل أن يؤسس هيئة تحرير الشام ! 

قاطعته بقولي: كاكه خليني أختصر لك الموضوع وأبرد قلبك.. هناك مقولة قالها الرئيس المصري الراحل حسني مبارك في لقاء له مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وهي: " المتغطي بأمريكا عريان"!!

ومعناها أن الولايات المتحدة تتخلى عاجلاً أم آجلاً عن حلفائها دون شك، وتتركهم عرايا في العراء، لاسيما عندما تتطلب مصالح أمريكا ذلك، وهذا ما حدث للرئيس مبارك نفسه في ثورة 25 يناير حين باعته أمريكا بأبخس ثمن.. لذلك أرجو منك يا صديقي أن تهدأ قليلاً، وترحم قلبك وصحتك، فأنت رجل طاعن بالسن، وأي توتر سيسقط قلبك بالضربة القاضية .. 

لكن صديقي حويز واصل حديثه بنفس العصبية وذات التوتر ،وكأنه لم يسمع نصيحتي، قائلاً: كاكه فالح اريد اسألك، أمريكا ليش ما عدها (صاحب صديق)، ولا عدها حليف .. وآني أستغرب يگولون عنها بلد عظيم و قوة عظمى، والله العظيم هي لا بلد عظيمة ولا قوة عظمى ولا هم يحزنون، لأن البلد العظيم ما يخذل أصحابه ولا يخون حلفاءه ولا يبيع أصدقاءه.. مو صحيح كاكه فالح لو آني غلطان ؟!

قلت له: نعم يفترض ذلك، والدول تفضل مصالحها على الاعتبارات الأخرى، لكن دون أن تفقد حلفاءها أو تخذل أصحابها، في حين أن أمريكا الوحيدة التي لن تقيم أي وزن او أي اعتبار لصديق او حليف، فتبيعه حتى لو لم تتطلب مصالحها ذلك- طبعاً باستثناء حليفتها المدللة اسرائيل، وهذه لها اسباب خاصة بات يعرفها الجميع.

قال: شلون يعني كاكه ؟

قلت: يعني أن هناك حالات باعت فيها أمريكا حلفاءها بفلسين وتخلت عن عملائها دون أن تجبر أو تضطر على ذلك، مثل ما حدث في المطار عند الانسحاب الأمريكي من أفغانستان العام (2021) حين تركت عملاءها والمتعاونين معها فريسة بيد وحوش طالبان، وقد كان بامكان القوات الامريكية انقاذهم ونقلهم  بالطائرات الأمريكية التي كانت متوفرة في قواعدها،  وأعتقد أن العالم شاهد تلك اللقطة المأساوية التي بثتها الشاشات بكل العالم.

أراد كاكه حويز مقاطعتي، لكني واصلت حديثي قائلاً:  لقد ترك الأمريكيون أيضاً، الرئيس برويز مشرف في باكستان، وزين العابدين بن علي في تونس، ولم يكترثوا لخلع نوريغا في بنما، والشاه محمد رضا بهلوي في إيران (1979)، حتى أنهم رفضوا قبوله لاجئاً في امريكا، و لولا الرئيس المصري محمد انور السادات الذي استضافه في القاهرة حتى مماته، بطلب ورجاء خاص من صديقه رئيس وزراء الكيان الصهيوني مناحيم بيغن، لما وجد الشاه بلداً يلجأ اليه.. كما تخلت أمريكا أيضاً و بطرق مختلفة عن حلفائها كالرئيس الفلبيني ماركوس، و الإندونيسي سوهارتو ، والكوبي باتيستا وغيرهم من المخذولين الواهمين الذين تعرضوا لغدر وتخلٍ من صديقتهم العزيزة أمريكا، وعلى يد رؤساء امريكيين مختلفين، وليس رئيس واحد، بعد أن ظن هؤلاء المساكين أن واشنطن ستحميهم ساعة الشدة، وتوفر لهم الملاذ الآمن في أقل تقدير، لكنهم صدموا بالنهاية المظلمة التي انتهوا اليها، وذلك لأنهم لم يدركوا يوماً أن أمريكا ستبيعهم بيعة الكلاب عند ظهور أي تحول في المصالح، أو بروز ضغط داخلي، أو أنهم أصبحوا عبئًا على واشنطن، أو لم يعودوا يخدمون مصالحها الاستراتيجية بشكل فعال. 

والمصيبة أن واشنطن لا تبيع حلفاءها دائماً، إنما تعطيهم أحياناً هدية او رشوة لحليف جديد او صديق محتمل، وهذا ما حصل مع صديق أمريكا وحارسها القوي شاه ايران محمد رضا بهلوي العام 1979 عندما تخلت عنه امريكا عند تصاعد غليان الثورة الإسلامية، بحيث لم تعد واشنطن قادرة أو حتى راغبة في الحفاظ عليه، فأهدته لقادة الثورة كرشوة مقابل إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين ال 52 الذين احتجزهم الثوار الإيرانيون  في السفارة الأمريكية بطهران، لكن السيد الخميني لم يتقبل هذه الرشوة، رغم أهميتها، فأبقى على الدبلوماسيين الأمريكيين محتجزين لمدة 444 يوما، ولم يطلق سراحهم إلا بعد نشوب الحرب العراقية الإيرانية ..

وقبل أن ينهي كاكه حويز مكالمته معي، قال لي:  كاكه فالح، لازم العراق يآخذ حذر وينظر للامر بعين الاعتبار، وأن لا يثق بالحماية الأمريكية مطلقاً..

قلت له : نعم كاكه، وهذا عين العقل.. لذلك أنا اعتبر أن إخراج القوات الأمريكية من قاعدة عين الأسد، وانتشار القوات العراقية وكذلك فصائل الحشد الشعبي على الحدود العراقية السورية، أولى الخطوات الصحيحة في سياسة الاعتماد على النفس، والإتكال على القدرات والإمكانات الوطنية، وليس على الآخرين الذين قد يتخلون عنك في أية لحظة، كما يحصل اليوم في سوريا، حين تخلت القوات الأمريكية عن دعم وحماية اصدقائها ( قسد).. وفي هذا الأمر، فإني أتمنى على الأشقاء الكرد في كردستان العراق الاعتماد أيضاً على قدراتهم الكردية الخاصة، وعلى امكانات بلدهم وجيشهم الوطني دون التفكير بالحماية الأجنبية مهما كانت هذه الحماية .. وأمامهم تجربة اشقائهم الكرد في سوريا، الذين باتوا اليوم في العراء بلا مظلة أمريكية أو أية مظلة أجنبية كانت.. لقد وضعهم ترامب للأسف الشديد بين مطرقة الشرع وسندان داعش.. وكلاهما مجرمان ..!