بغداد- العراق اليوم: بمقاييس الربح والخسارة السياسية والأمنية، يمكن الجزم بأن العراق حقق مكسباً استراتيجياً كبيراً بقرار رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني تسلم آلاف السجناء من عناصر تنظيم داعش الإرهابي من سجون قوات سوريا الديمقراطية، في خطوة جريئة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، قطعت الطريق على سيناريوهات الانفلات الأمني، ومنعت عودة هؤلاء ليشكلوا خنجراً جديداً في خاصرة الدولة العراقية، ويعيدوا إنتاج مأساة عام 2014. لم يكن القرار إجراءً إدارياً عابراً، بل تحركاً سيادياً محسوباً أعاد رسم قواعد الاشتباك مع الإرهاب، ونقل المعركة من هامش الانتظار إلى مركز المبادرة الوطنية، واضعاً أخطر ملف أمني في عهدة الدولة العراقية حصراً.
أول مكاسب القرار تمثلت في تحييد الخطر قبل انفجاره، إذ إن بقاء قيادات وعناصر داعش في سجون خارج السيطرة العراقية، كان يشكل تهديداً كامناً، ولا سيما في ظل هشاشة الواقع الأمني السوري واحتمالات انهيار منظومات الحراسة أو استثمار هذا الملف في صراعات إقليمية معقدة.
استعادة هؤلاء إلى الداخل العراقي أنهت احتمالات التسرب أو إعادة التوظيف التخريبي، وأغلقت الباب أمام أي مفاجآت استراتيجية قد تضرب الاستقرار الداخلي.
أما المكسب الثاني، فيكمن في أن هؤلاء السجناء يمثلون عصارة التنظيم وهيكله القيادي والعملياتي، وليسوا عناصر هامشية.
وجودهم بيد المؤسسات الأمنية العراقية يعني امتلاك القدرة على تفكيك البنية الصلبة للتنظيم من الداخل، وفهم آليات القيادة والتواصل والتجنيد ومسارات الحركة والتمويل، ما يحول التنظيم من كيان متخفٍ إلى ملف مكشوف يمكن تفكيكه طبقة بعد أخرى وبمنهج علمي دقيق.
ويأتي المكسب الثالث، وهو الأهم، في الاستحواذ على ما يمكن وصفه بالكنز المعلوماتي.
فهؤلاء يحملون خرائط تفصيلية عن شبكات الدعم اللوجستي والمالي، والخلايا النائمة داخل المدن، والامتدادات العابرة للحدود، وأساليب إعادة التموضع بعد الضربات العسكرية. هذا المخزون الاستخباري يمنح العراق فرصة تاريخية للانتقال من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي الذكي، وتجفيف منابع الخطر قبل أن يتحول إلى تهديد فعلي.
أما المكسب الرابع فيتمثل في ترسيخ السيادة الوطنية بصورة عملية، حيث لم يعد هذا الملف الخطير موزعاً بين أطراف متعددة أو خاضعاً لتوازنات خارجية، بل أصبح بيد الدولة العراقية وحدها، ضمن أطر قانونية وقضائية واضحة، ما يعزز ثقة الداخل والخارج بقدرة بغداد على إدارة ملفاتها السيادية الكبرى بكفاءة واقتدار.
ويضاف إلى ذلك مكسب خامس يتمثل في انسجام الخطوة مع التحولات الدولية من دون الارتهان لها.
فمع تأكيد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الدول ستسحب مواطنيها من عناصر داعش وتخضعهم للمحاكمة، كان العراق سبّاقاً في الإمساك بهذا الملف وفق حساباته الوطنية، مثبتاً أنه شريك فاعل في الحرب على الإرهاب لا مجرد متلقٍ للقرارات أو ضغوط الخارج.
أما المكسب السادس، فهو نقل المعركة مع الإرهاب من مرحلة الدفاع والتحصن إلى مرحلة الهجوم الوقائي الذكي القائم على المعلومة والتحليل العميق والتخطيط بعيد المدى، بما يسمح بإغلاق الفجوات الأمنية ومنع إعادة تشكل التنظيم بأشكال جديدة أو مسميات مختلفة.
في المحصلة، يمكن القول إن السوداني اتخذ القرار الصحيح في الزمن الصحيح، زمن التعقيدات الإقليمية والتحولات الدولية السريعة، ونجح في تحويل تهديد محتمل إلى فرصة استراتيجية كبرى تعزز أمن العراق، وتكرس سيادته، وتضع مفاتيح تفكيك ما تبقى من تنظيم داعش بيد الدولة العراقية وحدها، مؤكداً أن معركة العراق مع الإرهاب باتت تدار بالعقل الاستراتيجي لا بردود الأفعال.
*
اضافة التعليق
العراق اليوم ينشر تقرير سام داغر: السوداني بين ايران وترامب .. معركة القرار في ثاني اكبر منتج للنفط داخل اوبك.
السوداني يبحث مع الرئيس الفرنسي تطورات الأوضاع في سوريا
القاضي فائق زيدان يؤكد الاستعداد لمحاكمة الدواعش
بارزاني يحذر من حرب قومية بين العرب و الأكراد
الصحاف يعلن إعادة 100 لاجئ عراقي غير شرعي من ليبيا
السوداني وإيقاف مفاعيل التفكك الأمني وانخراط الجبهة العراقية في محاور الصراع