بغداد- العراق اليوم:
رأي جريدة الحقيقة
منذ تأسيسه بوصفه مظلة جامعة للقوى السياسية الشيعية بعد تحولات سياسية وأمنية معقدة، كان يفترض بالإطار التنسيقي أن يشكل حالة تنظيمية قادرة على توحيد القرار، وضبط الخلافات الداخلية، وحماية التمثيل السياسي للمكون الشيعي ضمن معادلة الحكم في العراق.
غير أن الوقائع المتراكمة خلال السنوات الماضية تشير إلى مسار مغاير تماماً، إذ بات الإطار في نظر قطاعات واسعة من الشارع الشيعي عنواناً للإرباك السياسي، والعجز عن إدارة الأزمات، وفقدان البوصلة الاستراتيجية، بل والفساد العام حتى !!
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو: كيف يُصلح الإطار نفسه؟ بل تحول إلى سؤال أكثر جذرية وجرأة: ما فائدة الإطار التنسيقي أصلاً؟ ولماذا لا يتم تفكيكه وحله والعودة إلى التنافس النيابي الطبيعي بين الكتل.
يجمع مراقبون على أن الإطار التنسيقي لم ينجح في إدارة أو تجاوز العديد من الأزمات المفصلية التي مرّ بها العراق، سواء على مستوى تشكيل الحكومات، أو إدارة الصراعات السياسية الداخلية، أو التعامل مع التحديات الاقتصادية والأمنية. ففي كل محطة أزمة، كان الإطار يظهر منقسماً، متردداً، أو عاجزاً عن إنتاج قرار موحد وحاسم، ما انعكس ارتباكاً في المشهد العام، وتأخيراً في المعالجات المطلوبة.
ويرى محللون سياسيون أن غياب الرؤية المشتركة داخل الإطار جعله أقرب إلى تجمع اضطراري منه إلى تحالف استراتيجي، تحكمه الحسابات اللحظية والمصالح المتقاطعة أكثر مما تحكمه البرامج الوطنية الواضحة.
ولعل من أبرز الانتقادات الموجهة للإطار، أنه أضاع بوصلة التمثيل الحقيقي للمكون الشيعي.. فبدلاً من أن يكون منصة جامعة تعكس تنوع الاتجاهات السياسية والاجتماعية والفكرية داخل البيئة الشيعية، تحول إلى فضاء ضيق تهيمن عليه قيادات محددة، فيما غابت شرائح واسعة من النخب المدنية والليبرالية والقوى الإصلاحية.
هذا الاختزال في التمثيل أسهم، بحسب مراقبين، في تعميق الفجوة بين الشارع الشيعي والمؤسسة السياسية، وكرس حالة من الإحباط وفقدان الثقة بالعملية السياسية برمتها.
لم يعرف الإطار التنسيقي حالة استقرار داخلي حقيقي منذ تأسيسه. فالخلافات بين أطرافه حاضرة في معظم الاستحقاقات، بدءاً من اختيار المرشحين للمناصب العليا، إلى رسم السياسات العامة، مروراً بإدارة العلاقة مع القوى السنية والكردية.
لقد جعل هذا التشتت الدائم قرارات الإطار بطيئة، ومشروطة بتوازنات معقدة، وغالباً ما تأتي تسووية وهشة، لا تمتلك القدرة على الصمود أمام أول اختبار سياسي جدي.
يتهم الشارع السياسي الإطار بعدم الجدية في التعامل مع ملفات عميقة ومزمنة، مثل مكافحة الفساد، إصلاح النظام الإداري، معالجة البطالة، وتطوير الخدمات.
وغالباً ما تطرح هذه الملفات في الخطاب الإعلامي، لكنها لا تتحول إلى برامج تنفيذية واضحة ومُلزمة. ويرى بعض الخبراء أن الإطار، بحكم تركيبته التوافقية، يميل إلى تجنب الصدام مع مراكز النفوذ داخل المنظومة السياسية، ما يجعله عاجزاً عن تبني إصلاحات جذرية تمس مصالح قوى نافذة. واحدة من أبرز الإشكاليات التي تسجل على الإطار هي عدم قدرته على اتخاذ قرارات مصيرية في اللحظات الحاسمة. فالتردد والخوف من تفكك التحالف الداخلي يدفعان غالباً نحو حلول وسطية مؤقتة، تؤجل الأزمات بدلاً من حلها.
وهذا النمط من الإدارة جعل الإطار يبدو في نظر الرأي العام كجسم ثقيل الحركة، هرم، غير قادر على مواكبة سرعة المتغيرات السياسية والأمنية في الداخل والإقليم. وقد زاد من هشاشة الإطار خروج التيار الصدري منه، وهو مكوّن جماهيري وسياسي فاعل يمثل ثقلاً عددياً وشعبياً كبيراً.
كما أن الحديث المتكرر عن عدم رضا المرجعية الدينية عن الأداء العام للطبقة السياسية، بما فيها قوى الإطار، شكل عاملاً ضاغطاً على شرعية الإطار المعنوية والاجتماعية.
لقد أضعف هذا الواقع قدرة الإطار على الادعاء بأنه الممثل الأوسع أو الأجدر للمكون الشيعي. ومن النقاط الجوهرية أيضاً غياب أغلب القوى المدنية والليبرالية الشيعية عن الإطار، وعدم تمثيلها داخله، ما أفقده التنوع السياسي والفكري، وحوله إلى إطار تقليدي محافظ، يفتقر إلى الحيوية والتجديد، ولا يعكس تطلعات الأجيال الجديدة.
كما يتهم الإطار بأنه تحول عملياً إلى نادي سياسي مغلق على زعماء بعينهم، تُدار فيه القرارات وفق موازين النفوذ الشخصي والتاريخي، وليس وفق قواعد ديمقراطية شفافة أو معايير الكفاءة والبرنامج.
وقطعاً أن هذا الانغلاق قد أسهم دون شك في إعادة إنتاج الوجوه والسياسات ذاتها، رغم تغير المزاج الشعبي وتزايد المطالب بالإصلاح والتجديد.
كل هذه الأسباب دفعت قطاعات واسعة من الشارع الشيعي إلى طرح سؤال مباشر: لماذا يستمر وجود الإطار التنسيقي رغم إخفاقاته؟ ولماذا لا يتم تفكيكه وترك الكتل السياسية تتنافس بأحجامها النيابية الحقيقية داخل البرلمان؟
يرى مؤيدو هذا الطرح أن العودة إلى منطق الأغلبية النيابية الواضحة قد تُنهي حالة الضياع والتشتت، وتحدد بوضوح من يمتلك الشرعية العددية لتشكيل الحكومة وتحمل المسؤولية بدلاً من استمرار التوافقات الرمادية التي تذيب المسؤولية وتربك القرار. وعلى سبيل المثال يستطيع ائتلاف التنمية والإعمار أن يتحالف مع ائتلاف دولة القانون ويشكلاً كتلة برلمانية يتجاوز عددها الثمانين مقعداً، تستطيع قيادة الحكومة دون أن يضطرها إلى مراعاة الأمزجة، وتطييب الخواطر، والتنازل عن الكثير من المشاريع الجديدة، أو استكمال المشاريع الكبيرة التي كان السوداني قد بدأها في فترة رئاسته للحكومة .. إننا طرحنا هذا المثال كنموذج بديل عن نموذج الإطار التنسيقي الذي فقد أغلب صلاحيته وقدرته الفنية.
*
اضافة التعليق
حنان الفتلاوي تتحدث عن عراق ما بعد سقوط النظام الإيراني
سلطات إقليم كردستان تطلق سراح المعارض ساشوار عبد الواحد
حمودي يؤكد لسفير بريطانيا أهمية دعم استقرار العراق
السوداني يدعو لتجنيب المنطقة ويلات الحرب المدمرة
الحكمة يشهر بطاقة حمراء بوجه المالكي
لماذا يعترض بعض التجار ووكلاء التخليص الكمركي على تطبيق التعريفة الكمركية الجديدة؟