بغداد- العراق اليوم:
يثير اعتراض عدد من التجار ووكلاء التخليص الكمركي في المنافذ الحدودية على قرار التعريفة الكمركية الجديدة تساؤلات مشروعة، لا سيما أن هذا الرفض جاء منظمًا وقويًا، وبعيدًا عن مطالب أو مصالح المواطنين البسطاء. ولتوضيح أسباب هذا التمرد، لا بد من الوقوف عند مجموعة من الحقائق الاقتصادية والمالية المهمة:
أولًا: تضارب المصالح وتعدد شركات التحويل
تشير المعطيات إلى أن عددًا من التجار ووكلاء التخليص يمتلكون أكثر من شركة للتحويل الخارجي، إذ يمتلك بعضهم خمس أو ست شركات أو أكثر، ما يمنحهم قدرة واسعة على التلاعب بالحوالات الخارجية وتدوير الأموال تحت أطر قانونية ظاهرية.
ثانيًا: خلل جوهري في النظام الكمركي السابق
قبل صدور التعليمات الجديدة، كانت الرسوم الكمركية تُحتسب على أساس مبلغ مقطوع، بحدود: • مليوني دينار للحاوية الصغيرة • ثلاثة ملايين دينار للحاوية الكبيرة
وذلك بغض النظر عن نوع البضاعة أو قيمتها الحقيقية، سواء كانت ملابس، هواتف نقالة، أو بضائع عالية القيمة. كما كان اعتماد مبلغ الحوالة المثبت من قبل التاجر نفسه، والذي يلتزم البنك المركزي بتحويله، دون وجود معيار حقيقي للتحقق من القيمة الفعلية للبضاعة، وهو ما يمثل خللًا خطيرًا وغير منطقي في إدارة المال العام.
ثالثًا: جوهر الاعتراض على التعريفة الجديدة
بموجب النظام الجديد، أصبح احتساب الرسم الكمركي يعتمد على القيمة التقديرية للبضاعة وفق جداول الأسعار المعتمدة لدى دائرة الكمارك أو مبلغ الحوالة المسجل لدى البنك المركزي، أيهما أعلى. وهنا يكمن سبب الاعتراض الحقيقي.
فعدد كبير من الشركات دأب على تهريب العملة الأجنبية إلى خارج البلاد تحت غطاء قانوني، من خلال تضخيم قيمة البضائع المستوردة بمقدار يصل إلى خمسة أو عشرة أضعاف قيمتها الحقيقية. ومثال ذلك ما تم تداوله مؤخرًا بشأن استيراد السيارات، حيث تُباع السيارة في السوق المحلية بنحو 20 ألف دولار، في حين تُسجل الحوالة الرسمية بمبلغ 60 ألف دولار للسيارة الواحدة.
رابعًا: انكشاف التلاعب بعد تطبيق القرار
مع دخول التعريفة الكمركية الجديدة حيز التنفيذ، أصبح لزامًا على المستوردين الذين قاموا بتضخيم مبالغ الحوالات دفع الرسوم الكمركية على أعلى قيمة مثبتة في التصريحة الكمركية. وفي المثال أعلاه، بات المستورد ملزمًا بدفع الرسوم على أساس 60 ألف دولار بدلًا من القيمة الحقيقية، وهو ما دفع هؤلاء إلى الاحتجاج والتظاهر ورفض تطبيق القرار.
ومن هنا، فإن الإصرار على تنفيذ هذا القرار يُعد خطوة جوهرية في محاربة غسيل الأموال ووقف نزيف العملة الأجنبية.
خامسًا: هل سترتفع الأسعار؟
قد يرى البعض أن القرار سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا صحيح جزئيًا على المدى القصير، إلا أن: • هذا النظام معمول به دوليًا • وكان مطبقًا سابقًا في العراق • الدولة تعتمد سعر التحويل الرسمي مهما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازية • المنافسة بين التجار ستؤدي تدريجيًا إلى استقرار الأسعار
وبالتالي فإن أي ارتفاع مؤقت لا يمكن مقارنته بحجم الضرر الناتج عن التهرب الكمركي وغسيل الأموال.
سادسًا: إقليم كردستان ونظام (الأسيكودا)
فيما يتعلق بإقليم كردستان، فإن رفض تطبيق نظام الأسيكودا الخاص بتنظيم الاستيراد والحوالات الخارجية لن يستمر طويلًا، إذ إن البنك المركزي العراقي لن يقوم بتحويل أي مبالغ خارجية لأي جهة لا تعتمد هذا النظام. وسيضطر الجميع إلى الالتزام، لا سيما أن عددًا كبيرًا من الشركات في الإقليم كان يعتمد تضخيم مبالغ الحوالات لكل حاوية، ما تسبب باستنزاف كبير لموارد الدولة.
كما أن تطبيق النظام الجديد سيضمن عودة إيرادات المنافذ الحدودية في الإقليم إلى الخزينة الاتحادية، وهو إجراء اقتصادي وإداري سليم.
سابعًا: البعد الإقليمي لسوق الحوالات
جزء من الضجة الحالية يعود إلى تلقي سوق الحوالات في دبي وتركيا ضربة قوية، بعد أن فقدت شركات التحويل أرباحًا ضخمة كانت تحققها من خلال تحويل مبالغ كبيرة لبضائع وهمية، واستغلال فرق سعر الصرف، وإدخال بضائع ذات رسوم عالية تحت غطاء بضائع منخفضة الرسوم.
⸻
خلاصة
إن قرار التعريفة الكمركية الجديد يمثل خطوة إصلاحية شجاعة في اتجاه: • محاربة التهرب الضريبي • تجفيف منابع غسيل الأموال • ضبط التحويلات الخارجية • تعظيم الإيرادات غير النفطية
وهو قرار يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني، رغم ما يثيره من اعتراضات من قبل المستفيدين من الفوضى السابقة.
الاستمرار في هذا النهج هو الخيار الصحيح، خدمةً للصالح العام وحمايةً للمال العام.
*
اضافة التعليق
حنان الفتلاوي تتحدث عن عراق ما بعد سقوط النظام الإيراني
سلطات إقليم كردستان تطلق سراح المعارض ساشوار عبد الواحد
حمودي يؤكد لسفير بريطانيا أهمية دعم استقرار العراق
السوداني يدعو لتجنيب المنطقة ويلات الحرب المدمرة
الحكمة يشهر بطاقة حمراء بوجه المالكي
تيار الحكمة والعصائب يشنون حملة إعلامية لرفض ترشيح المالكي