ماذا لو لم يسلمهما نواف الزيدان؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

بين ليلةٍ وضحاها، تحوّل نواف الزيدان من اسمٍ مجهول إلى «ترند»، وصار خلال أيامٍ معدودة نجمًا مشهورًا وفتى الشاشة العربية، بمجرد نشر المقابلة التي أجراها معه الإعلامي الكويتي عمار تقي في برنامجه الحواري «الصندوق الأسود». وبعد ظهوره المدوّي الذي أماط فيه اللثام عن سرٍّ ظلّ لأكثر من عشرين عامًا مختبئًا خلف أسوارٍ عالية.

وبطبيعة الحال، فإن أيّة قضية تتعلّق بصدام حسين أو بأسرته ستنال، دون شك، اهتمامًا كبيرًا، وستثير حولها جدلًا واسعًا، حتى لو كانت القضية بايخة.

ومثل غيري، لفتت هذه المقابلة انتباهي، فتابعت حلقاتها، كما تابعت الكثير من الجدل والسجال والتعليقات والردود التي حظيت بها. وقد تشكّلت لديّ ملاحظات عديدة عمّا ورد في المقابلة، وكذلك عمّا جاءت به ردود أفعال المشاهدين. ولعلّ أول ما أودّ الإشارة إليه هو محاولة الكثير من الإخوة المعلّقين تحويل المقابلة من مسارها الطبيعي إلى المسار الطائفي المقيت، على الرغم من أن نواف الزيدان والأشخاص الذين أبلغ عنهم جميعًا من طائفة واحدة، ولم تكن في القضية أيّة شبهة أو دافع طائفي، وإنما كانت هناك عوامل وأسباب دفعته إلى هذا الاختيار؛ ذكر نواف بعضها صراحة، وتحفّظ عن بعضها الآخر لأسبابٍ خاصة به.

وأعتقد أن الرجل تجنّب الخوض في أحد أهم هذه الأسباب، واكتفى بالتلميح إليه، وأقصد بذلك سوء سلوك عدي وقصي داخل بيته خلال فترة الاختفاء، ولا سيّما عدي المعروف بسوء أخلاقه وتحرّشه بالنساء وعدم احترامه لحرمة البيوت. وربما كان سلوك عدي وتصرفاته خلال الفترة الطويلة التي مكثها في بيت الزيدان سببًا في استفزاز الرجل وجرح كرامته وكبريائه، فقرّر معاقبة هذا النزِق المتهوّر والانتقام منهم جميعًا.

وبالطبع، لا يمكن إسقاط العامل المالي من المعادلة؛ فعندما تجتمع الدوافع الوطنية والشخصية والعائلية والانتقامية والنفسية في قضيةٍ ما، ويُضاف إليها عاملٌ مالي كبير متمثّل بجائزة ضخمة كهذه، فمن الطبيعي ألّا يتأخر رجل مثل نواف الزيدان عن تنفيذ قراره. وأنا أختلف معه حين أنكر الدافع المالي في مقابلته مع عمار تقي، مكتفيًا بالكشف عن أسبابٍ أخرى لم يكن من بينها الطمع بمبلغ الجائزة.

وأجزم هنا أن ثلاثين مليون دولار أمريكي مبلغٌ مغرٍ في حسابات رجل «مقاول» يحسب الأمور بالخيط والشاهول والمسطرة .

وللنكته، قال أحد المتابعين في تعليقٍ ساخر مخاطباً نواف الزيدان:

«أنا متأكد يا نواف أنها أربح صفقة في حياتك، وهل هناك صفقة أربح من بيع حمارين، أحدهما أعرج، بثلاثين مليون دولار؟!»

وعليه، فإن العامل المالي كان حاضراً ودافعاً عند قرار الزيدان بالتبليغ دون شك.

والآن، دعونا نُهمل جميع الدوافع، ونتحدّث بصدق عن الفعل الأهم الذي قام به نواف الزيدان، ونزنه بالميزان الوطني والأخلاقي والإنساني والديني، بعيداً عن الانتماءات السياسية أو المذهبية أو العشائرية. فبعض العراقيين ينتقدون فعل الزيدان ويعيبون عليه بحجة أن العربي لا يغدر بضيفه، ولا يشي بدخيله، ولا يخون الأمانة.

وقبل تعليقي، كان الزيدان نفسه قد ردّ على هذه الحجة بقوله:

«لم يكن عدي وقصي ضيفين في بيتي، ولم يكونا دخيلين عندي، إنما جاءا إلى داري اضطراراً بعد أن رفضهما وطردهما أقرب أبناء عمومتهما. وقد اقتحما داري دون سابق إنذار، وبدلًا من أن يبقيا أسبوعاً كما قالا لي، بقيا أكثر من ثلاثة أسابيع؛ لذلك فأنا في حلٍّ وبراءة من أي فعلٍ يصدر مني بعد ذلك».

أما تعليقي أنا فيختلف عن تعليق الزيدان؛ إذ إنني لا أؤمن بقبول «دخوليّة» أشخاصٍ قتلة مثل هذين السفّاحين اللذين فعلا بالعراقيين ما لم يفعله حتى الصهاينة المجرمون بأبناء غزة. ولا أفهم كيف يطالب البعض نواف الزيدان بالالتزام بقيم وأخلاق العروبة، بينما كان صدام وأسرته قد نسفوا قبل ذلك كل القيم والأصول العربية.

فكم شخص غدر به صدام وقتله، رغم أنه كان رفيقاً أو صديقاً أو قريباً له؟! ألم يغدر بأبناء عمومته وهم من دمه ولحمه؟! 

كم فتاة نكث عدي عهده معها وهتك عرضها؟! وكم شاب من شباب الانتفاضة الشعبية «دخل» عند قصي في الرضوانية، لكن قصي لم يفِ بكلمته، بل سخر من وعده وأطلق الرصاص بين عيني ذلك الشاب الدخيل؟! وكم ضيف قتلهم صدام وعدي وقصي وبرزان ووطبان وحسين كامل وعلي كيمياوي وبقية أفراد العصابة المجرمة؟!

إن ما فعله نواف الزيدان بتسليم عدي وقصي، وإنقاذ الناس من فظائعهما

هو فعلٌ يستحق الشكر والتقدير من العراقيين، مهما كانت دوافع الرجل وأسبابه، ومهما كان انتماؤه وماضيه. فنحن هنا نقيّم الفعل الشجاع بحدّ ذاته؛ ذلك الفعل الذي ثأر لمئات الشابات العراقيات اللواتي هتك عدي أعراضهن، ولآلاف العراقيين الذين سلب عدي وقصي كرامتهم وبطشوا بهم وبعائلاتهم.

سأعلنها بصراحة ووضوح وأقول: إنني ممتنٌّ جداً لهذا الرجل، لإبلاغه أولاً عن مكان المجرمين عدي وقصي صدام، ولشجاعته في الظهور بهذه المقابلة وهو يعلم أيّ عاصفة ستثيرها اعترافاته، وأيّ تبعاتٍ ستلحق به بسببها. ولعلّ كشفه أكذوبة قناة «الجزيرة» حول «مقاومة» ابني صدام وحفيده مصطفى للمهاجمين الأمريكيين كان أخطر ما ورد في المقابلة، خصوصاً حين قال : إن ما جرى لم يكن معركة، بل غارة أمريكية تولّت فيها الطائرات والصواريخ والقذائف تدمير القصر فوق رؤوس المختبئين، دون أن تُطلق طلقة واحدة من الداخل، إذ لم يكن هناك أي مجال للرمي أو القتال.. وهذا يعني أن الأمريكيين لم يخسروا جندياً واحداً في تلك الغارة. وهذه المعلومة لم يذكرها الزيدان وحده، بل أكّدها لي أيضاً صديق أمريكي من أصلٍ عراقي كان يعمل مترجماً في الجيش الأمريكي آنذاك، وكان مرافقاً لتلك القوة. لكنه لم يتحدث عنها إلا بعد أن صرّح بها نواف الزيدان، على ما يبدو بسبب أوامر عسكرية تمنع الحديث بمثل هذه التفاصيل.

وهنا أطرح السؤال التالي:

إذا كان المختبئون لم يطلقوا رصاصة واحدة، ولم تخسر القوة الأمريكية جندياً واحداً، فكيف قيل لنا إن الطفل مصطفى قصي قتل ثلاثة عشر جندياً أمريكياً بسلاح قنّاص؟!

إن كشف نواف الزيدان لهذه الحقيقة وفضحه زيف الإعلام القطري يمثّل خدمةً كبيرة للحقيقة وللتاريخ معاً.

ختامًا، أودّ أن أذكر أن ضحايا صدام وأسرته، من أبناء الطائفة السنية الكريمة لا يُحصَون، وأن قتلاه من أبناء تكريت نفسها كانوا بأعدادٍ كبيرة. ولن أنسى موقف زوجة الصديق المناضل الشيوعي التكريتي سبهان ملا چياد، التي أنجبت ابنها «غزوان» وهي تقضي حكم السجن المؤبد مع زوجها المحكوم بالإعدام. كما لن أنسى شريكي في زنزانة الموت، المناضل الشجاع عرفان الحيالي الحديثي ورفاقه نعيم الگعود وعناد العساف الدليمي وغيرهم ممن أصدر صدام بحقهم أحكام الإعدام، وهم من أبناء الطائفة السنية أيضاً.

لذلك، أتمنى على العراقيين جميعاً أن ينظروا إلى ما فعله نواف الزيدان من منظور وطني وإنساني، وليس من ( منظورٍ آخر)، وأن يُغمضوا أعينهم ولو للحظة واحدة، ويتخيّلوا المشهد لو بقي عدي وقصي حيَّين، ولم يسلّمهما نواف الزيدان…؟!