لماذا (الحضن العربي) بارد جداً مع العراق، ودافئٌ جداً مع (غيره)؟!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

أمس، وأنا على سرير نومي، أغمضت عينيَّ وقررت أن أفتح الحساب مع الأمة العربية المجيدة، وأقيس بمقياس الأرقام والأسماء والأحداث والتواريخ مواقف العرب – حكوماتٍ وشعوباً – مقارنةً بمواقف العراق الحكومية والشعبية، لأُتيح مراجعةً عادلةً مع ذاتي، وأرى أين الخلل في علاقتي مع الأشقاء العرب: هل أنا مخطئ، وشعوبيٌّ مثلاً، أو (قطريٌّ) كما يقول بعض خصومي العروبيين؟!

ولماذا يهاجمني بعضهم بقسوة و(أدبٍ سِزلوغيٍّ) كلما كتبتُ ونشرتُ مقالاً أنتقد فيه بلداً عربياً، حتى لو كانت جماهير ذلك البلد قد شتمت شعبي بشكلٍ مؤذٍ وجارحٍ وقاسٍ، من دون أن يعتذر أحدٌ من مسؤولي ذلك البلد، كما حدث في ملعب عمّان بالأردن قبل نحو عشرة أشهر، حين هاجم مئاتٌ من الأردنيين والفلسطينيين شعبَ العراق الأبيّ بهتافٍ مُقزِّزٍ، أعتقد أن الجميع سمع به وعرفه. ورغم ذلك، فإن أحداً من الكُتّاب الأردنيين أو غير الأردنيين لم ينتقد هذا الهتاف، أو ينتقد الذين هتفوا به في ملعب عمّان، لكنهم شحذوا سكاكينهم واستلّوا خناجرهم ضدي حين انتقدتُ في مقالي أولئك السفلة الذين شتموا (تاجَ رأسهم العراقي)، وكأنهم يدافعون عن شرفٍ وعِرضٍ هُتِكَ!!

أنا هنا لا أشكو أبداً، ولا أشعر بأي حزنٍ أو ندمٍ بسبب مقالتي تلك، ولا بسبب تلك الأقلام العربية التي هاجمتني بعد نشره؛ لأني أعرف أنهم مرضى، مصابون بعقدةٍ ومرضٍ اسمه (معاداة العراق)! وقد توصلتُ إلى هذه النتيجة بعد تجارب مريرة وواقعية مدعومةٍ بالأرقام والتواريخ. لكنني حزينٌ جداً لما وجدتُ بعض العراقيين يتضامنون ظلماً مع الكُتّاب الأردنيين ويتطوعون ضدي. لماذا؟

لأني رفضتُ شتم العراقي بهتافهم: «يا عراقي يا گوا…! يلله روح عَ بغداد..!»

ذلك الهتاف الذي أطلقه المأبونون في ملعب عمّان. وطبعاً فإن الأردن ليس البلد العربي الوحيد الذي (يكره) العراق، رغم عطايا العراق وسجاياه العظيمة، ولا أريد أن أتحدث عن هذه العطايا، فهي معروفةٌ للجميع دون شك، لكنني أريد الحديث عن الأردن بعد أن طالعتنا الأخبار أمس، مشيرةً إلى أن الأردن يؤيد الكويت في خلافها مع العراق، حيث جاء ذلك الموقف على لسان الناطق الرسمي باسم الوزارة الأردنية، فؤاد المجالي، مؤكداً (موقف الأردن الثابت في دعم سيادة دولة الكويت الشقيقة على جميع أراضيها ومناطقها البحرية، ووحدة أراضيها وسلامتها)، رافضاً الفعل الذي قام به العراق لدى الأمم المتحدة. يا إلهي، ما هذا؟!

والمشكلة، يا أحبتي، أن حكومة (أبو غمزة) أصدرت بيانها هذا دون أن تستفسر من الحكومة العراقية، وقبل أن تعرف تفاصيل القضية؛ أي إنها دعمت موقف الكويت ورفضت موقف العراق (عمياوي)!

وقبل ذلك كانت الأردن، كما يعرف العراقيون، أولى الدول العربية (العشرين) التي دعمت صدام في حربه مع إيران، بل إن الحسين، ملك الأردن آنذاك، أطلق بيده الكريمة، دون حرج وأمام الشاشات، قذيفةً مدفعيةً نحو الجيش الإيراني، هكذا عينك عينك.

وقتها لم يعلّق أحد، باعتبار أن الواجب الأخوي يقتضي وقوف العرب مع شقيقهم ضد (الغريب الفارسي)!

وحين غزا صدام الكويت في عدوانٍ أدانه العالم كله، انقسمت الأمة العربية إلى مجموعتين: مجموعةٍ تضم ست دول عربية وقفت مع صدام – وطبعاً أولها الأردن – بينما وقفت بقية الدول العربية مع المجتمع الدولي، داعمةً الكويت في موقفها العادل. وفي هذه الحالة لم يقف الأردن وملكه مع الشعب الكويتي او العراقي كما يُفترض، إنما وقف (عمياوي) مرةً أخرى مع الحاكم الظالم صدام ضد شعب العراق المظلوم.. لذلك لم يكن غريباً اليوم، ولا مفاجئاً لي، أن يقف الأردن مرة أخرى (عمياوي) ضد شعب العراق وحكومته الوطنية.

لكن الشيء الذي فاجأني، بصراحة، هو موقف العرب. هل تصدقون أن جميع بلدان الأمة العربية وقفت – في العلن أو في السر – مع الكويت، و(عمياوي) أيضاً؟! والمصيبة أنها وقفت ظلماً مع الكويت؛ فلو كان الحق مع الكويت لما اعترضت، والله، لكن المأساة أن العرب الذين دفعنا دماءنا ثمناً لحريتهم وكرامتهم، وبعنا حليب أطفالنا من أجلهم، نجدهم يكافئوننا كل مرةٍ بأسوأ من سابقاتها؛ فهم يدعمون صدام في جميع حروبه ومجازره وأنفاله ضد الشعب العراقي دون أن يرفّ لهم جفن، وتجدهم اليوم كذلك يسارعون إلى دعم الكويت، لا حباً بدولار الكويت والمال الخليجي فحسب، إنما تنفيساً عن عقدتهم الأزلية: (معاداة العراق)!

أما اليوم، والعراق قد مارس حقه الجغرافي والتاريخي، فموقفهم المعادي هذا فرصة، او هو بمثابة (عيدٍ وجابه العباس لهم)… يعني رقصوا له بالكوفية.

أخيراً، أتوجه بالسؤال إلى الإخوة الذين يتغزلون بالحضن العربي، وأقول: لماذا الحضن العربي معنا بارد، ومع غيرنا دافئٌ وحارٌّ؟!

وطبعاً فإن قضية الكويت لن تكون الأخيرة، فأمامنا الأيام، وهي كفيلةٌ بتأكيد ( برودة ) حضن الأشقاء ..!