بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
في حدائق أبي نؤاس، ومن إحدى خيمات مهرجان جريدة طريق الشعب الحادي عشر ، تسلل صوت غنائي جميل مع عزف عود ناعم، وشاب في العشرين من عمره، ينشد بعذوبة وصَفوٍ ودفءٍ: "يلمصادق شيوعي احلفك بالصداقة.. شفت مثل الشيوعي وفيّ يصون العلاقة".. ثم يرتفع الصوت بالغناء، فيتجمع عدد من المحتفلين أمام الخيمة.. ويبدأ بعضهم بترديد لازمة الأغنية.. في وسط هذا الجو الاحتفالي الجميل، يفتح صديقي ( أبو عامل) خط الموبايل معي، قائلاً بصوت يكاد يختنق من التأثر: - أبو حسون مكانك فارغ اليوم.. هذا واحد من شبابنا الرائعين جاي يغني كلمات أغنيتك ( آني مو شيوعي) ! ولم ينتظر أبو عامل جوابي، إنما ذهب نحو المغني الشاب، واضعاً التلفون قريباً من العود تارة، ومن فم المغني تارة أخرى، ليسمعني الأغنية، وما أن انتهى الفتى من أدائها، حتى فاجأه صديقي قائلا له: " عمو هذا الشاعر فالح حسون الدراجي مؤلف هاي الأغنية على التلفون من امريكا، چان يسمعك وإنت تغني.. هاك أخذ سلم عليه..بعدها انقطع الصوت وخيم صمت امتد لأكثر من دقيقة، حتى شعرت أن أبا عامل أحرج هذا المغني الشاب، الذي لم يكن قطعاً مستعداً لمثل هذا الموقف المفاجئ، وقد ظهر الحرج واضحاً عليه فعلاً، وهو يقول لي: مرحبه استاذ .. والله الأغنية جميلة جداً.. عاشت ايدك اللحن كلش حلو ..! ضحكت رغم زعلي على صاحبي الذي لم يسألني أو يأخذ رأيي بما فعل، لكني تدبرت الأمر بسرعة، وعالجت الإشكال.. بقولي للشاب المغني: أولاً أحييك على هذا الأداء الرائع، وأهنئك على هذه الخامة الصوتية المميزة جداً.. وأكملت كلامي له قائلاً: وباعتباري مؤلف الأغنية -صححت المعلومة دون أن أحرجه- فقد تمنيت أن يكون (ملحن الأغنية)، الفنان الكبير محسن فرحان، حياً يرزق، فأنا متأكد من أنه سيفرِح بأدائك وصوتك كثيراً، و لن يتأخر عن احتضانك ورعايتك، وتقديم لحن خاص بك وبصوتك الجميل المبهر ، لكن للأسف، فإن أبا ميديا قد رحل عن الدنيا قبل أربع سنوات.. ورغم ذلك - والكلام لم يزل لي- فإني سأتواصل معك، وسأجد من سيأخذ بيدك من الملحنين، بل وسأكتب لك نصاً غنائياً يسهم بتقديمك. انتبه الشاب إلى ما قلته له، وقد استعاد رباطة جأشه، وتخلص من الحرج الذي وضعه فيه صاحبي أبو عامل، فقال لي: أستاذ فالح الشاعر الجميل.. أنا آسف، فأنا طبعاً أعرفك، لأني فنان، وشيوعي، ومن أبناء مدينة الثورة، فكيف لا أعرف الشاعر فالح حسون الدراجي، لكنّ العم فاجأني بالتلفون و(خربط) أوضاعي.. ثم قال ضاحكاً: بس بصراحة أحسن شي سواه، وهذا فضل قدمه لي ما راح أنساه أبداً.. بعد ذلك سألته عن اسمه ورقم تلفونه ورأيه في التواصل معي، فقال بفرح: اسمي ( جاسم ) ويشرفني التواصل معك أستاذ، وسأرسل رقم تلفوني لك الان مع العم ( أبو عامل ).. بعد لحظات أرسل لي رقمه، فاتصلت به، وعرفت منه أنه طالب في كلية الفنون الجميلة، وهو من الشبيبة الشيوعية، ومن عائلة تقدمية.. أعدم النظام البعثي عمه، واغتال ناظم گزار خاله قبل أكثر من خمسين عاماً.. وقبل أن ننهي المكالمة، سألني بطريقة فيها الكثير من الاعتذار والاحترام، قائلاً: أستاذ هل يحق لي أن اسألك عن الفنان الراحل محسن فرحان ملحن أغنية آني مو شيوعي، هل هو شيوعي أم لا ؟ ضحكت وقلت له: ألم يقل الرجل عبر اللحن: " آني مو شيوعي وأريد أحچي الحقيقة " .. ؟! فضحك، وقال: لكنك أيضاً قلت : آني مو شيوعي.. بينما أنت شيوعي .! قلت له: شوف عزيزي جاسم .. لم يكن محسن فرحان شيوعياً بالمعنى الايدلوجي، أو الحزبي، لكنه من النواحي الوطنية والإنسانية والأخلاقية، فهو شيوعي من الوريد إلى الوريد، يشترك مع الشيوعيين في الكثير من المبادئ والمشتركات والقيم النبيلة السامية.. قال: هل بالإمكان التعرف على مثل هذه المشتركات؟ قلت: نعم نعم، ولكن يجب أن تعرف أن حديثي عن محسن فرحان، إنما هو حديث شخص عن شخص تربطه به علاقة عميقة تجاوزت نصف قرن، فضلاً عن العمل المشترك لعشر أغنيات، وتفاصيل عائلية واجتماعية وأخوية كثيرة.. وطبعاً فأنا لن أحدثك هنا عن المنجز الإبداعي لأبي ميديا، فهو أكبر من أن يلخص منجزه بمكالمة تلفونية.. إنما سأتحدث عن مشتركاته مع الشيوعيين، مثل الحس الوطني العالي الذي يجمع بينهم، والاخلاص للشعب العراقي، والنزاهة، ونكران الذات، وحب الفقراء، والوفاء، والانسانية العالية التي تجدها عند محسن فرحان وعند الشيوعيين على حد سواء ..وسأضرب لك مثالاً واحداً على إنسانيّة أبي ميديا وأنت قِس على ذلك.. فهو بعد رحيل زوجته المرحومة أم ميديا، وبتر ساقه بسبب ( السكري)، وعدم وجود من يساعده، اضطر لاستخدام شخص (بنغلاديشي) يقوم على خدمته، وحين اشتد عليه المرض اتصلت به فوجدته يبكي، ولما سألته عن سبب بكائه، قال لي: إذا متُّ يا فالح، من لهذا البنغلاديشي المسكين بعدي، من سيعطيه معاشه، ومن سيجدد له إقامته.. ومن سيحميه من الأذى.. !! قطعت عليه بكاءه، وقلت له: اطمئن ياصديقي، فأنا سأتكفل بهذه المهمات ! ولم يسترح أبو ميديا إلا بعد أن وعدته بل وأقسمتُ له بمساعدة هذا المواطن البنغلاديشي الفقير !! وقد فَعلتُ .. ووفَيتْ ..
*
اضافة التعليق
طريق الشعب ( لومانتيه) العرب، وعميدة الصحف العراقية ..
أنت أشرف من ( شريفهم ) يا عايدة ..
لماذا لم يقل اللاعب الأفضل في التاريخ : أنا الأفضل ؟!
بطانيات ( جماعتنا ) ودولارات ( ترامب) وجهان لعملة فاسدة ..!
بعد أربع ( خمسات) للبرشا.. من المسكين الذي سيتلقى الخمسة الخامسة؟
المقاومة لا ( تغتال) المقاومين.. يا شيخ المجاهدين ..!