بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
قبل أيام من الاحتفال بمهرجان جريدة طريق الشعب، سألني أحد الزملاء قائلاً: أبا حسون، أراك تهتم كثيراً بمهرجان جريدة طريق الشعب، وتتذكر موعده - ربما - أكثر من تذكرك لأعياد ميلاد أولادك، وتحتفل بتأسيسها أكثر من احتفالك بتأسيس جريدتك -الحقيقة- فضلاً عن الاهتمام غير الطبيعي والاستثنائي الذي تبديه تجاه أي دعوة تصلك من هذه الجريدة دون غيرها من الصحف الأخرى ؟!
قلت له: نعم أنا أهتم بكل ما يتعلق بجريدة طريق الشعب من مناسبات وفعاليات ومهرجانات، واعترف أن فرحي بأعيادها فرح استثنائي، وهو بالنسبة لي أمر شخصي بحت، فهي ليست جريدة الحزب الشيوعي الذي أحببته منذ صباي فحسب، إنما هي أيضاً مدرستي، التي شربتُ من نهرها العذب سلسبيل الحب والجمال والثقة، ودرستُ في صفوفها أبجدية الصحافة والوعي الفكري رغم قصر الفترة التي عملت فيها متطوعاً في مطلع سبعينيات القرن الماضي.. لقد دخلتها (أطرش بالزفة ) كما يقولون، وغادرتها وأنا (أسطه) قياساً إلى ما كنت عليه، لذلك صار لي بعدها (وجهٌ) صحفي، وجرأة، وقلم، وثقة، و(تجربة) رغم قصرها، تشجعني على العمل في أبرز الصحف العراقية مثل صحيفة (الجمهورية) التي كانت واحدة من الصحف التي لايسمح لغير الصحفيين الموهوبين والمميزين بالعمل فيها، إذ وبفضل (دراستي) في مدرسة طريق الشعب، صرت مؤهلاً للعمل في أي جريدة عراقية أو غير عراقية ..
هذا على الصعيد الشخصي، أما على الصعيد العام، فإن طريق الشعب لم تكن يوماً رقماً سهلاً في حساب الصحف، إنما كانت - حتى وهي في أقسى الظروف - الرقم الأهم والأصعب في المعادلات السياسية والإعلامية الحكومية والشعبية على حد سواء.. فأجهزة الرقابة الإعلامية والأمنية في السلطات الدكتاتورية السابقة مثلاً -كانت تدخل في الانذار صباح كل يوم من أيام إصدار جريدة طريق الشعب (المزعجة)، لتتفحص كل خبر منشور فيها، وتحلل كل مقال وتحقيق، بل وكل قصيدة وخاطرة وصورة وعنوان، حتى أن (النائب) آنذاك ، صدام حسين كان يطالعها شخصياً، بدليل أنه طلب من قيادة الحزب الشيوعي العراقي إيقاف نشر مقالات الراحل الكبير والفذ شمران الياسري (أبو گاطع) في جريدة طريق الشعب، مهدداً (بتفليش) الجبهة الوطنية، وقطع العلاقة مع الحزب الشيوعي، إن لم يستجب لطلبه، ويتوقف هذا العمود الذي كان يزعجه ويعكر مزاجه يومياً. لقد كان الناس - من شدة إعجابهم بمقال أبي گاطع - يبدؤون بقراءة الجريدة من الصفحة الأخيرة قبل الصفحة الاولى، ليتعرفوا على ما كتبه (أبو گاطع) في عموده الصحفي قبل أن يطالعوا عناوين الصفحة الأولى وما فيها من أخبار..!
قاطعني زميلي بقوله: نعم، لكن هذا الأمر في الماضي، أي في العصر الذهبي لطريق الشعب، أيام كان فيها عمالقة الصحافة والثقافة العراقية، اما اليوم فالجريدة تفتقد إلى الكثير من تلك الأقلام الذهبية، ولم يعد ثمة قرّاء يقرؤونها من الصفحة الأخيرة بعد رحيل أبو گاطع وأمثاله..!
فهل هذه طريق الشعب ؟
قلت له: سأجيب على سؤالك بسؤال أيضاً، وأقول لك: أليست الأرض تدور، والأنهار تجري دون توقف، والحياة تتقدم، والخرائط تتغير كل حين، وملايين الناس يولدون، وغيرهم يموتون، فلماذا لا تتغير أيضاً الصحف، وتتغير مثل بقية الأشياء، خاصة ونحن في عصر السرعة العجيب.. إن الجميع يتغير بحكم التطور التقني والفني والتاريخي أيضاً، وكتحصيل حاصل، فإن طريق الشعب مهما كان حجمها وقدراتها معرضة للتغيير كذلك.. ومثال على ذلك: ألم تكن المانيا عظيمة في سابق الزمان، والإتحاد السوفيتي إحدى القوتين العظيمتين في العالم قبل ثلاثة عقود، فلماذا تراجع هذان البلدان العظيمان، ومثلهما تراجعت بريطانيا وفرنسا وغيرهما الكثير من الدول؟!
وقبل أن يجيبني، قلت له:
ولكن، رغم ذلك كله فإن المانيا لم تزل على قيد الحياة ولو بنصف قوتها.. وكذلك الاتحاد السوفيتي، فهو موجود في صورة روسيا، رغم أن روسيا التي هي جذر الاتحاد السوفيتي قد فقدت الكثير من قوتها وبريقها.. لكنها موجودة ومؤثرة.. والشيء نفسه يقال عن الصحف العالمية الكبرى، أمثال الواشنطن بوست، وول ستريت جورنال، ونيويورك تايمز، وغيرها، فهذه الصحف العظيمة التي كانت توزع بعشرات الملايين من النسخ يومياً لم يعد لديها أسواق وبورصات تتسع لنصف مليون نسخة، فهل نقول مثلاً إن هذه الصحف غير مؤثرة اليوم، ولا تصلح أن تكون قدوة لصحف أخرى، أو لا يجدر الاحتفال بمهرجاناتها لأن مردودها قد تقلص وتراجع ؟!
ثم قلت لزميلي : أو تظن أن (طريق الشعب) تخلت عن دورها التنويري ونهجها الثقافي والإعلامي المنير، أو أنها لم تعد عميدة الصحف، ومدرسة جامعة للصحافة والصحفيين بمختلف أعمارهم وتجاربهم، لمجرد أن عدد قرائها قد قلَّ بعض الشيء، أو تظن مثلاً أني توقفت عن دروسها بعد أن صرتُ رئيساً لتحرير جريدة ؟!
لا قطعاً، فأنا رغم عمري الذي تجاوز السبعين لم أزل طالباً يتعلم في مدرسة طريق الشعب.. أتعلم منها كل يوم شيئاً لم أتعلمه من غيرها في مواقع أخرى.. فالكبير يا زميلي يبقى كبيراً، وعميدة الصحف لم تزل عميدة بماضيها وحاضرها ومستقبلها رغم ما حصل ويحصل من أزمات تكسر الظهر .. وثق إن أغنية ( ياطريق الشعب يا أم الجرايد) التي كتبتها قبل سنوات ولحنها الفنان يوسف نصار، وما كتبته من مقالات عن طريق الشعب هو أقلّ مما تستحقه من حقوق في عنقي.. وقبل أن تستغرب من استمرارية مهرجانات طريق الشعب، أحب أن أذكّرك بأن شوارع باريس تزدحم بالزوار، والسيارات، والدراجات، والملصقات الإعلانية التي تشير إلى بدء مهرجان اللومانيتيه العالمي، ذلك المهرجان السنوي الذي تقيمه صحيفة اللومانيتيه - صحيفة الحزب الشيوعي الفرنسي - منذ أكثر من تسعين عاماً بحيث تشاهد سنوياً، الحشود المليونية والخِيم والمسارح، واللافتات والأعلام الشيوعية، وترى في يد كل زائر لباريس غصن زيتون، او حمامة سلام، من أجل السلام والمحبة بين شعوب العالم..علماً أن لجريدة طريق الشعب خيمة سنوية كبيرة ومميزة وثابتة في مهرجان اللومانيتيه الفرنسية..
وعلى الرغم من أن مهرجان اللومانيتيه انطلق عام 1930، إلا أنه لم يتوقف قط، رغم الحروب وقسوة النضال السري للحزب الشيوعي الفرنسي .. ولعل
الأهم أن هذا المهرجان يتواصل دون أن يعترض (صحفي) فرنسي على إقامته، كما لم يقل أحد مثلك أن جريدة اللومانيتيه تقلصت صفحاتها ونسخها وتراجع عدد قرائها.. ختاماً أقول: المنارة العالية تبقى عالية ومضاءة وشاخصة رغم البنايات العالية الجديدة التي تحيط بها، واصطفاف ناطحات السحاب حولها.. وطريق الشعب منارتنا العالية إلى الأبد رغماً عن أنف ( التنكه لوجيا) ..!
*
اضافة التعليق
أنت أشرف من ( شريفهم ) يا عايدة ..
لماذا لم يقل اللاعب الأفضل في التاريخ : أنا الأفضل ؟!
بطانيات ( جماعتنا ) ودولارات ( ترامب) وجهان لعملة فاسدة ..!
بعد أربع ( خمسات) للبرشا.. من المسكين الذي سيتلقى الخمسة الخامسة؟
المقاومة لا ( تغتال) المقاومين.. يا شيخ المجاهدين ..!
معامل الدولة للبيع .. كل أربعة بربع !