بلا وداع ولا مشيعين .. فاروق هلال يمضي إلى مثواه الأخير حزيناً ومقهوراً

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

 فقدت الساحة الفنية العراقية، صباح أمس الجمعة، الملحن والمعلم والموسيقي الكبير فاروق هلال عن عمر ناهز التاسعة والثمانين عاماً، بعد مسيرة فنية امتدت لسبعة عقود أسهم خلالها في صناعة ذاكرة الأغنية العراقية.

ولعل الغريب في الأمر أن يمضي الرجل إلى مثواه دون توديع، أو تشييع رسمي حكومي، أو نقابي، كما لم يحظ تشييعه للأسف بمشاركة حتى لو كانت رمزية من تلامذته ومحبيه، وجمهوره الواسع!

لقد كان في ( موكب ) تشييعه، سبعة أشخاص فقط، أحدهم تلميذه النجيب الفنان قاسم ماجد، والبقية كانوا من أفراد أسرته، أو من طالبي الاجر والثواب ! وقد أثار منظر تشييعه الموجع والمؤلم، سواء في شكل التابوت البائس، الخالي من  ( العلم العراقي)، أو من أي غطاء يستر عِري لوحه الحزين.. أو في ذلك الجو المحاط بالوجوم، والصمت ( الرهيب) الذي لا يليق بفنان كبير، هو  بحق أحد أبرز أعلام الفن العراقي ..!

وحين نقل لي الصديق العزيز قاسم ماجد -  عبر الهاتف - شيئاً عن لحظات هذا التشييع الذي شارك فيه، شعرت بألم ومرارة فقد مضاعفة، مرة لفقد قامة عراقية فنية شاهقة، ومرة لهذا الجحود واللا وفاء العجيب الغريب من المحيط الفني. ناهيك من عمق علاقتي الشخصية، والطويلة به، تلك العلاقة التي بدأت منذ عام ١٩٧٦، حين التقيته أول مرة في حدائق جمعية الموسيقيين العراقيين في بغداد.. ورغم كل الظروف لم تنقطع علاقتنا حتى لحظة رحيله، حيث كنت قبلها أتواصل معه عبر الهاتف، أو عبر الرسائل الصوتية المطولة التي كنا نتبادلها، وأحتفظ الآن بعشرات البصمات الصوتية للفنان فاروق هلال، يتحدث فيها عن كل شيء، وكأنه يقول لي: احتفظ بهذه البصمات يا صديقي، فهي ستكون شهادة للتاريخ، وإرثي الذي لا أملك غيره لك .. 

ولعل عزائي يكمن في لقائي به قبل أن أسافر قبل سنة تقريباً، حين زرته في المستشفى بصحبة الصديق، الإعلامي الرياضي المعروف حسام حسن .. وهو ما خفف فعلاً من شعوري بالندم والإحباط وقسوة الرحيل دون وداع.. في هذا المقال الافتتاحي لا أريد الحديث عن التاريخ الفني للمبدع الكبير فاروق هلال أو عن أغنياته وألحانه وجهوده الفنية والتربويّة الكبيرة، لأني لن أضيف اليه شيئاً مهما قلت وتحدثت.. 

كما لن أتحدث عن (الصديق) فاروق هلال، لأني واثق أن مقالة واحدة، بل ولا عشر مقالات، تكفي وتفي في الحديث عن ( صحبة ) أخوية حميمية عمرها نصف قرن، فضلاً عن أني تحدثت عن بعض هذه العلاقة في أكثر من مقال ولقاء تلفزيوني سابق. ولا اريد أيضاً الحديث عن ( عراقية ) فاروق هلال التي جعلته يرفض العيش في عدة بلدان عربية وخليجية، قدمت له كل ما يتمناه ويريده، لكن الرجل الذي غنى ولحن للعراق عشرات الأغاني، وختمها بأغنية من كلماتي شخصياً، كان قد لحنها وأداها بصوته قبل سنوات قليلة، عنوانها : ( خاف أموت وما أشوفك يا عراق)، أبى إلا أن يموت ويدفن في العراق، بل هو قال لي وبحضور الصديقين قاسم وحسام: أريد أن أعيش أيامي الأخيرة في العراق، وأموت وأدفن في العراق أيضاً..  !

ولا أريد الحديث كذلك عن قيم الرجل وأخلاقه العالية المتمثلة بسلوكه واتزانه الذي يضرب بهما المثل .. ولا أتحدث عن بيته الذي فتح أبوابه الكريمة لي ولكل أصحابه ومحبيه - أجل، لن أتحدث عن كل هذه المحاور، رغم أهمية الحديث عنها في مثل هكذا مقال رثائي، لكن الشيء الذي أردت الحديث به فعلاً، هو أني اتصلت أمس بأحد الأشخاص البارزين في البلد، وقلت له: لماذا تركتم فاروق هلال يرحل حزيناً مقهوراً بلا وداع ولا تشييع ولا تأبين يليق به وبمكانته الفنية والتربويّة العالية؟

فقال: لأنه لحّن لصدام !!

قلت له: هذا كلام جميل، ولكن ثمة من لحن وغنى لصدام  أكثر من فاروق بكثير، لكنه لم يتعرض عند رحيله لمثل ما تعرض له فاروق.. فأين العدالة ؟ وهناك أمر آخر أهم منه، وهو أن خمسين في المئة من أركان الدولة العراقية التي تأسست بعد سقوط النظام البعثي الدكتاتوري حتى هذه اللحظة، كانوا قد ( لحّنوا ) وغنوا، وهتفوا، وطبلوا ورقصوا لصدام حسين، فلماذا تُحرّم على فاروق هلال، و (تُحَلّ) على غيره ؟!

صمت محدثي ولم يجب..

لكني لم أصمت، فأكملت، وقلت له: هل تعلم أن فاروق هلال لم يكن بعثياً قط، وأزيدك من الشعر بيتاً ان الرجل كان متعاطفاً وقريباً من الحزب الشيوعي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي - دون أن ينتمي للحزب - وأنه اعتقل وفصل من وظيفته بعد انقلاب شباط الأسود عام ١٩٦٣ - حيث كان وقتها معلماً لمادة النشيد والرياضة في مدرسة ابن الجوزي للبنين قرب كراج النهضة في بغداد - وأنه غنى للزعيم الخالد عبد الكريم قاسم أغنية أمة أمة مع أغنيات عديدة غيرها.. ودفع ثمناً باهضاً مقابل تلك المواقف الوطنية المؤيدة للجمهورية ..

 وهل تعلم أنه أسرّ لي يوماً بتبرعه للحزب الشيوعي مرات عديدة دون أن يخبر أحداً غيري بما في ذلك الحزب الشيوعي نفسه.. كما أن الرجل لحّن للوطن والشعب عشرات الأناشيد والأغاني الوطنية الجميلة، فلماذا لم تلتفتوا اليها أيضاً مثلما التفتم إلى ( غيرها ) من الأغنيات .. ؟

إن الفنان فاروق هلال - حسب ظني - قد تأثر كثيراً برياح المتغيرات التاريخيّة والسياسية الخطيرة التي عصفت بالمنطقة والعالم عموماً، وبالعراق خصوصاً، ناهيك من الظروف الشخصية العاطفية الصعبة التي مر بها الرجل، وقد تكون هذه التأثيرات 

-مجتمعة - قد دفعت بمشاعره، نحو الاقتراب من المزاج القومي العربي، من غير أن ينتمي أيضاً الى أي حزب قومي، او غير قومي.. وأعتقد أن لكل إنسان الحق في اختياراته وقناعاته ومشاعره وهواه دون إكراه أو إرغام لتوجهاته.. والمهم في الموضوع، أن فاروق هلال ظل قامة عراقية فنية وتربويّة باسقة، قدم للفن العراقي أروع الألحان والأعمال والإنجازات التي تستحق منا أن نكرم وفاته ونقدر لحظات رحيله، فنمنح على الأقل جنازته ما تستحق من احترام وتقدير وتوديع وتشييع يليق بها وبه، أما إذا أردنا محاسبته وهو يتوجه إلى مثواه وأبديته النهائية، ونحاكمه على تلحين هذه الأغنية او تلك، فهذا لعمري منتهى الظلم.. إذ يجب أن يكون الحساب عاماً وشاملاّ، وبمسطرة واحدة على الجميع، وليس انتقائياً أو اختيارياً !!

أما الآن، وفي ختام مقالي هذا، دعوني أقول لصديقي وأخي الكبير فاروق هلال : ها أنا أودعك ياصاحبي، وأشيّعك بمزاجي وعلى طريقتي الخاصة، فما عساني أن أفعل، وبيني وبين جثمانك المعطر بالنبل والكرم والود والوفاء، آلاف الأميال ؟!

( موكب ) تشييع الفنان الكبير فاروق هلال

فيديو للحوار الذي أجره الإعلامي المعروف عماد العصاد مع الفنان فاروق هلال

https://www.facebook.com/share/v/1GSr5YwvYV/