إلى الأسطورة ميسي : " أطلت الشوط في عمري .. أطال الله في عمرك "  !

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي 

أولاً وقبل كل شيء أود أن أوضح أن هذا المقال أكتبه لي وعني فحسب، بمعنى أنه يعنيني شخصياً ولا يعني غيري.. أما لماذا خصصته  لي فقط، فاسمحوا لي أن أشرح لكم السبب : 

في الحادي والثلاثين من شهر تموز الحالي سيعبر عمري سنته الخامسة والسبعين ويدخل بوابة السادسة والسبعين.. لكن من يراني اليوم سيتفاجأ بي، ولن يصدق قطعاً أني بعمر الخامسة والسبعين، إنما سيظنني حتماً بعمر أقل .. أذكر أن سيدة سألتني قبل عدة شهور، عن عمري، فقلت لها : عمري خمسة وخمسون عاماً .. فدهشت وصاحت (واو)، ثم مسكت الخشب، وقالت: ( صلوات على النبي ما مبين عليك) !!

فضحكت وقلت في سري:

ماذا ستفعل، لو عرفت أن عمري خمسة وسبعون، ربما ستمسك الثلاجة أيضاً وليس الخشب وحده ..!

إن ( الشباب) الذي أنا فيه، والنضارة التي فيها، يعود الفضل فيهما إلى اللاعب ليونيل ميسي، إذ ومنذ أن رأيته لأول مرة يلعب ضمن نادي برشلونة عام 2006، أي في مرحلة ( كهولتي )- وهي طبعاً أخطر مراحل العمر المقلقة والمخيفة للرجل- وأنا أحلق مع هذا اللاعب في فضاء المتعة والروعة والسحر والجمال.. رغم أني كنت ولم أزل أجد في سحر القصيدة والأغنية والسينما، ورفقة الأصدقاء الطيبين، وفي الحب وجمال المرأة، متعةً وشغفاً وسحراً وسعادة أيضاً، لكن أداء ميسي، وفنونه، وجنونه - شكل ثاني - كما تقول الفاتنة نجاة الصغيرة، شكل يوفر متعةً، وسعادة لا مثيل لها بين كل السعادات.. لقد كان الكثير من أصدقائي يعتقدون، أن ما أتمتع به من صحة وعافية، ووجه نَضِير، وجسم محصن من تداعيات العمر ومشاكل الشيخوخة يعود لممارستي الرياضة بانتظام، والتزامي بقواعد الصحة، وشروط الحفاظ على الشباب، وأنا لا أنكر ذلك، لكن كل هذه الممارسات والالتزامات لم تكن يوماً كافية للحفاظ على النضارة والعافية والشباب، إنما ينقصها شيء مهم آخر.. فأقراني يمارسون كذلك الرياضة، ويلتزمون بذات القواعد والشروط أيضاً، لكنهم لا يبدون للأسف بمثل ما أنا فيه من حيوية.. وقد يعتقد البعض الآخر  أن إقامتي لثلاثين عاماً في الولايات المتحدة، و ما فيها من (رفاهية)، وعيش رغيد، مع توفر الظروف الصحية و الطبية، و الأسباب المادية والمعنوية، تحصن الصحة والعافية، وتوفر البهجة والجمال والسعادة حتماً.

وأنا أعذر من يعتقد بذلك، فهو لا يعرف كم عانيت في حياتي سواء في العراق أو في أمريكا، وكم تعذبت واحتجت، وجعت، وكم أمنية بسيطة ذبحت على عتبة العوز والفقر الذي ابتليت به عائلتي وأغلب عوائلنا، وكم ليال باردة نمت فيها بغطاء مهلهل لا يمنع برد الصرائف من نخر عظامنا الناعمة الهشة .

وبصراحة مطلقة أقول: إن حياتنا لم تكن تليق بحياة الإنسان الذي هو أثمن رأسمال كما يقول ماركس.. 

وقد يظن من يراني اليوم، مترفاً مدللاً، وهو لا يعلم أني اشتغلت في صباي عامل بناء - عمالة -، كما اشتغلت ( دوار)، أشتري وأبيع (بطاله شيش) أيضاً، وفي السنوات الأولى من وجودنا في أمريكا، لم تكن حياتنا ( دهن ودبس وآيس كريم ) كما يظن البعض، إنما كانت حياة صعبة جداً، وقاسية جداً لايسع المجال للحديث عنها هنا..

ثمة من يظن أن الوراثة تلعب دوراً جيناتياً مقاوماً لعوامل الشيخوخة والأمراض .. وأنا أقول، ربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن بنسبة بسيطة قد لا تتجاوز الخمسة في المئة  !!: 

ومن المعروف لنا أن الصحة والعافية وطول العمر تأتي كلها من حسن التغذية، وجودة النوم، والتحكم في الإجهاد، وهو أمر صحيح أيضاً، ولكن لراحة البال، ونقاء الضمير، ومحبة الناس، دوراً أكبر وأهم في تحقيق ذلك .. فضلاً عن أهمية الثقة بالنفس، ونبذ الكراهية والحقد والبغض، فتأثير الحقد على صحة حامله كبير جداً، قد لا يقل عن تأثير ( السرطان) على حياة وصحة الإنسان. 

وأنا - يعرفني أصدقائي - أحب الناس جميعاً دون استثناء، ومتسامح حتى مع الذين يضمرون لي الشر، رغم أني اعرف أن الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم قتله تسامحه المفرط قبل أن يقتله القتلة البعثيون..  

وأنا صريح جداً، وواضح، لا أخفي شيئاً عن صاحبي مهما كان، قلبي على لساني أو كما قالت لي أمي رحمها الله: ( يمه إنت گلبك مسرود) لايبقي شيئاً أبداً.

وحين يكون القلب محباً، ونقياً ، وودوداً ، سيشعر صاحبه بالراحة والطمأنينة وسينعكس ذلك على وجهه ونفسه و بقية حواسه.

ثمة طقوس أمارسها بدقة وانتظام منذ سنوات دون انقطاع.. قد يكون لها دور في صناعة طمأنينتي، وشعوري بالبهجة، وراحة البال،فمثلاً أنا أسمع القرآن كل صباح وتحديداً بصوت القارئ الراحل عبد الباسط عبد الصمد، رغم أني لست متديناً، ثم أسمع شدو جارة القمر ( فيروز)، وفي النهار أسمع داخل حسن وكوكب حمزة وقحطان العطار وكريم منصور ومحمد عبد الجبار، وسعدي الحلي وعبد الزهره مناتي وشيرين، وأم كلثوم (ليلاً ) مع كأس واحد من النبيذ، وأسمع في كل الأوقات فائزة احمد وذكرى، ونجاة الصغيرة.. ومن حسن حظي أن ظروفي تسمح لي بممارسة المشي يومياً لمدة ساعة واحدة.. كما أقرأ لمدة ساعتين أو أكثر يومياً.. وأشاهد مباريات كرة القدم خاصة الدوري الأسباني. 

كل هذه العوامل والأسباب ساهمت في صناعة بهجتي و ( محتوى شبابي وألقي) .

لكن وجود ميسي وسحره كان السبب الأهم في ذلك. 

فما يوفره من متعة فذة، لا يسعد بها القلب، ويريح النفس فقط، إنما يطيل العمر أيضاً .. وأجزم أن من شاهده في مباراة أمس، وما فعله من أعاجيب أمام منتخب انگلترا سيؤيدني مهما كان موقفه الشخصي من ميسي ومن برشلونة ومنتخب الأرجنتين .. 

ولأن الدراسات النفسية والصحية تشير  إلى " أن الفرح يُعد محفزاً أساسياً لتوليد السعادة، وأن التمتع بمستويات عالية من السعادة والتفاؤل، يرتبط فعلياً بصحة أفضل، وعمر أطول وفقاً لدراسة هارفارد لتطور البالغين، وأبحاث جامعة كاليفورنيا وغيرها .. حيث تلعب هذه المشاعر دوراً حيوياً في إطالة العمر  عبر آليات علمية محددة"..

ومثلما أطالت مدينة (براغ) بعمر شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري .. وشكرها قبل أن يعود إلى العراق عام 1968 بقصيدة رائعة قال فيها: 

"أطلتِ الشوطَ من عمري.. أطالَ الله في عمركِ..

ولا نُبئتِ بالسوءِ.. ولا بالشرِّ في خبركِ  .." إلى آخرها ..

فأنا أرفع يدي أيضاً بالدعاء لميسي وأقول له :

"أطلتَ الشوطَ من عمري.. أطالَ الله في عمرك .."!