السوداني والمهمة العسيرة.. إصلاح الاقتصاد الوطني في مواجهة إرث ثقيل

بغداد- رأي العراق اليوم:

يخوض رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني واحدة من أصعب المعارك في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، معركة إصلاح الاقتصاد الوطني الذي أنهكته سنوات طويلة من الاختلالات البنيوية والتشوهات الهيكلية. 

فالرجل يتعامل مع تركة ثقيلة من الفساد والسرقات وسوء الإدارة، إلى جانب تضخم غير مسبوق في القطاع العام، الذي بات يستهلك الجزء الأكبر من الموازنة دون أن يقابله مردود إنتاجي حقيقي.

ويواجه السوداني اقتصاداً أحادي الريع يعتمد بصورة شبه كلية على النفط، ما جعله رهينة لتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الخام، وأضعف قدرته على الصمود أمام الأزمات. 

هذا الواقع أفرز طبقة من رجال الأعمال المرتبطين بعقود الدولة، امتصت الموارد العامة دون أن تسهم فعلياً في تنمية مستدامة أو بناء قاعدة إنتاجية راسخة.

كما أن غياب الإنتاجية في مؤسسات الدولة، وضعف نظم المتابعة والتقييم، أسهما في ترسيخ ثقافة الاتكالية والوظيفة بوصفها مورداً للراتب لا منصة للعطاء.

 وفي المقابل، ظل القطاع الخاص يعاني التذبذب وغياب الجدية في بعض مفاصله، فضلاً عن افتقاره إلى بيئة تشريعية وتمويلية مستقرة تعزز دوره كشريك حقيقي في التنمية.

وتبرز نزعة الاستهلاك والاستيراد كأحد أبرز التحديات، حيث غزت السلع الأجنبية الأسواق المحلية على حساب المنتج الوطني، ما أدى إلى تراجع الصناعة الوطنية وانكماش العديد من المصانع، فضلاً عن انخفاض الإنتاجية الزراعية وتفاقم ظاهرة التصحر الطبيعي وشح المياه، الأمر الذي عمّق فجوة الأمن الغذائي.

في مواجهة هذه الصورة المعقدة، يسعى السوداني إلى تحرير الاقتصاد الوطني من تبعات الماضي، عبر سياسات تهدف إلى تنويع مصادر الدخل، ودعم الصناعة المحلية، وتحفيز الاستثمار، وترشيد الإنفاق العام. كما يضع مكافحة الفساد وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة في صلب أولوياته، إدراكاً منه أن أي إصلاح اقتصادي لن يكتب له النجاح ما لم يقترن بإصلاح إداري حقيقي.

المهمة ليست سهلة، لكنها تمثل اختباراً حاسماً لقدرة الحكومة على الانتقال بالعراق من اقتصاد ريعي هش إلى اقتصاد منتج متنوع. وبين ضغوط الداخل وتقلبات الخارج، يبقى الرهان معقوداً على إرادة سياسية قادرة على اتخاذ قرارات شجاعة تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعافي والاستقرار الاقتصادي.