بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
أعترف بأني لست من المعجبين بالإطار التنسيقي من ناحية تكوينه، والهدف ( الحقيقي) من تشكيله، ودوره في الحياة السياسية والنيابية الحاكمة .. فتشكيله لم يأت لأسباب عقائدية ومذهبية كما يظن البعض.. لأن المذهب برأيي أسمى من أن يمثله تجمع سياسي لا يملك مشروعاً يتعلق بإنقاذ حياة فقراء المذهب، ولا برنامجاً فعالاً يسهم بشكل واضح في تحقيق حياة آمنة لأجيال المذهب التي لا تعرف ماذا ينتظرها غداً.. فأطفال فقراء المذهب الذين يعتاش بعضهم على حاويات القمامة، وبلادهم تطفو على بحيرة من النفط والدولارات، دليل دامغ على أن الإدعاء مختلف تماماً عن الواقع ..كما أن الإطار التنسيقي لم يؤسس قطعاً لغايات وطنية، لأن الوطن كفكرة ووجود وقيمة، أنبل من أن يستخدم لتمرير المصالح والمشاريع التجارية والمالية التي يركض صوبها اليوم أكثر من طرف في الإطار .. ولا أظن أن ثمة من يجادلني في هذا الموضوع، لأني - والعراقيين جميعاً - نعرف الكثير عن أبطال المفاسد والكوارث التي تحدث في أركان ومفاصل الدولة العراقية التي تقودها قوى وشخصيات وكارتلات الإطار التنسيقي المعروفة. وإذا لم أكن معجباً بالإطار التنسيقي، فهذا لا يعني أني أخاصمه أو اهمل متابعته، إذ وأعترف أيضاً بذلك، فأنا ما زلت أتواصل معه إعلاميا، فهو - أي الإطار التنسيقي - يقود الدولة، و ( ستيرن ) البلاد لم يزل بيده، لذا فمن غير المعقول تجاهل أنشطته وأخباره مهما كان رأيي به ! ولعل موضوع اختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء واحد من أهم الموضوعات التي يجب علينا متابعتها .. فهو موضوع مهم جداً، يحظى باهتمام ملايين العراقيين، نظراً لأهميته وحساسيته الكبيرة بمثل هذه الظروف المعقدة .. خاصة وان فترة الإنتظار السريالي قد طالت وعرضت، والناس غير مطمئنين لمستقبل البلد، بل هم غير مطمئنين حتى ليومهم الذي يعيشونه، لاسيما وأن الحكومة الحالية مقيدة، ومنتهية الصلاحيات.. والمصالح فيها معطلة، والمشاريع متوقفة والحياة راكدة منذ أربعة أشهر تقريباً.. والجماعة ما زالوا يختلفون ويتجادلون، ويقاطعون ويتقاطعون حول القبول بالمرشح ( الحجي ) او القبول بالمرشح (الأفندي)، وما بين هذا وذاك ثمة مرشحون كثيرون ومختلفون وكلهم ينتظرون دورهم أيضاً .. فلعل وعسى !! ومع كل المصائب التي تحيط بالبلد، فما زال قادة الاطار منشغلين بين اجتماع وتأجيل، وقرار ونفي للقرار، وما بين حضور ومقاطعة، وحلقات المسلسل الممل والقاتل تتواصل بنجاح، والمشاهد المسكين ينتظر الحلقة الأخيرة التي سيعلن فيها عن انتصار البطل وزواجه من الحبيبة التي انتظرته ثلاثين حلقة، أو ربما 200 حلقة إذا كان المسلسل ( تركي أو مكسيكي ) ..! ولا أكشف سراً لو قلت إن الناس سئموا هذه اللعبة، وكرهوا هذا الإنتظار جداً، فهم ومنذ إعلان نتائج الانتخابات النيابية العراقية يرقبون ويرجون حسم أمر الاستحقاقات الرئاسية، لا حباً وشوقاً لعيون هذه الرئاسات، إنما لأن أرزاقهم وأعمالهم توقفت او تكاد تتوقف تماماً، فانتهاء صلاحية حكومة محمد شياع السوداني، وتحويلها لحكومة (تصريف أعمال)، جعل الناس يتابعون رغماً عنهم أمر اختيار رئيس الوزراء، وجعلهم بالضرورة الملحة يتابعون أخبار الإطار واجتماعاته الكثيرة التي لم تأت لهم بخبر .. وحتماً فإن أغلب العراقيين غاضبون من تجاهل الإطار لمعاناتهم في ظل عدم وجود حكومة بصلاحيات كاملة، وطبعاً فإن لهم كل الحق في ذلك. فثمة العشرات من القرارات والمشاريع والاستحقاقات المالية والعمرانية والإنتاجية والوظيفية المجمدة، التي تنتظر انبثاق حكومة جديدة، وتنفيذ القوانين والمشاريع المتوقفة، وتمشية المعاملات والملفات المتكدسة فوق مكاتب الإنتظار منذ أربعة شهور . ولأن قرار ترشيح رئيس الوزراء الجديد في يد الإطار التنسيقي، بات من الأهمية أن تتوجه أنظار العراقيين صوب (مدخنة ) الإطار التنسيقي وانتظار الدخان الأبيض.. لكن الدخان الأبيض لم يظهر من مدخنة كرادلة الإطار حتى هذه اللحظة، بل وسيطول الانتظار .. وهنا لا أملك غير سؤال واحد أوجهه إليهم، وسؤالي سياسي محض لا علاقة له بالدين قطعاً، كي لا يؤخذ الأمر بغير مقصده: فأقول: إذا كان شكل وبنية وهيئة وتوجهات الإطار التنسيقي محسوبة على الخط ( الحسيني ) كما يدعون ويتفاخرون، فلماذا لا يقتدون بالنموذج العظيم لهذا الخط، والمتمثل بنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟.. وأنا هنا لا أتحدث فقط عن نزاهة قادة النظام الإيراني، فهذا الأمر بات مؤكداً ومعروفاً للقاصي والداني، كما لا أتحدث عن صلابة وشجاعة قادة النظام الإيراني الحالي، لأن ما يحدث اليوم من معارك فظيعة وهم يواجهونها ببسالة، لا يمنح المشكك فرصة واحدة للحديث، إنما أتحدث عن النموذج الفريد الذي قدمه قادة النظام الإيراني في موضوع اختيار المرشد الجديد الذي خلف السيد علي الخامنئي.. إنه بحق درس يجب أن يدرس في معاهد التاريخ والجغرافية والدين والوطنية والثورية، وعلى قادة الإطار أن يكونوا أول الطلاب لهذا الدرس الحسيني الفذ .. تخيلوا أن قائدهم ومرشدهم وسيدهم يقتل، والبلاد واقعة بين نارين .. نار العدوان الصهيوني الإمبريالي بكل طائراته وصواريخه وتهديده، ونار الجرح الذي أوقده في أفئدتهم، والمتمثل باستشهاد زعيمهم. ورغم ذلك، جلس بعد ثلاثة أيام ثمانية وثمانون رجل دين لينتخبوا زعيماً جديداً لهم. أين اجتمعوا ، وطائرات الكيان، قد قصفت مقرهم في قم لتمنع هذا الإجتماع وتعطل انتخاب المرشد الجديد .. وكيف التأم الشمل، وهم يقيمون في مدن متباعدة، في ظل نار القصف الصهيوني العنيف، وكيف تواصلوا وخطوط التواصل والانترنت مقطوعة ومعدومة تماماً .. لا أعرف، ولا أنتم، ولا أحد غيرهم يعرف، كيف ومتى وأين اجتمع هؤلاء الشيوخ الطاعنون في السن، وفي الحزن الأسود، ليقرروا انتخاب مرشدهم الجديد.. علماً أن مسؤوليتهم الشرعية والوطنية والأخلاقية والحوزوية تمنعهم من الانتخاب دون اكتمال النصاب، ودون قراءة ملفات جميع المرشحين دراسة وافية، كي لا يظلم أحد منهم، ولا تظلم ولاية الفقيه في دولة الولي الفقيه ..! لله دركم من رجال أوفياء وسادة بواسل.. فقد بيضتم وجه المذهب، وأسعدتم المرشد الفقيد الراحل وهو في قبره.. ورغم عقيدتي العلمانية واليسارية سأرفع لكم القبعة وأنحني أجلالاً لهذا العمل المدهش الذي قمتم به، وأثبتّم عبره أن المصلحة العامة أهم من كل المصالح الأخرى ..وإن الديمقراطية ليست حكراً على جهة معينة أو لون ما . والسؤال الذي تركته إلى آخر المقال أطرحه هنا وأقول: لماذا لا يقتدي قادة الإطار التنسيقي بنموذج مذهبهم السامي هذا، ويتخلون لمرة واحدة عن مصالحهم الشخصية لصالح المصلحة العامة، فينتخبون رئيساً لحكومة بلادهم، ولا يهمنا بعد اليوم أن يكون هذا الرئيس حجياً او أفندياً أو ( معگلاً )، رغم أنهم - أي قادة الاطار - يتمتعون بظروف وأحوال أفضل من ظروف أخوتهم في إيران.. فالفرق حتماً كبير بين من يجتمع وفوق رأسه الصواريخ والطائرات، وبين من يجتمع وبين يديه صحون الشلغم واللبلبي والزلابية والبقلاوة وزنود الست .. خصوصاً زنود الست ..!
*
اضافة التعليق
هل كان قرار السيد الخامنئي صحيحاً؟!
من منا لا يحب حميد مجيد موسى؟!
حيث لا يفيد عض أصابع الندم ..!
لماذا (الحضن العربي) بارد جداً مع العراق، ودافئٌ جداً مع (غيره)؟!
محنة ( الملتزم ) حين ياتي الفلنتاين و ( الشهيد الشيوعي) في قطار واحد !!
ماذا تفعل هيئة النزاهة حين يكون ( الشگ أكبر من الرگعة ) ؟!