نداء إلى دولة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني.. هل يعقل أن تحتفي بغداد بيوم مقتل الزعيم؟

بغداد- العراق اليوم:

رأي جريدة الحقيقة

دولة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ابن الشهداء، وابن المظلومية التاريخية التي ذاقت مرارة القمع والاضطهاد، نتوجه إليك بهذا الخطاب مباشرةً، وأنت أحد الذين عايشوا آثار تلك المرحلة القاسية، وتحمل في سيرتك إرثاً موجعاً من المعاناة والصبر والنضال والاستشهاد على يد البعثيين المجرمين ..

نخاطبك اليوم من منطلق وطني وإنساني، آملين أن تجد كلماتنا صداها في ضميرك الذي عرف معنى الفقد والتضحية.

إن بغداد، عاصمة التاريخ والحضارة، لا تزال تحتفظ في بعض شوارعها وجسورها بتسميات ارتبطت بوقائع دامية في ذاكرة العراقيين، ومنها شارع 14 رمضان في المنصور، وجسر 14 رمضان في الأعظمية. وهذه التسميات، كما هو معروف، جاءت في سياق الاحتفاء بذكرى أحداث الثامن من شباط العام 1963، تلك اللحظة التي ما زالت حاضرة في وجدان الشعب بوصفها مرحلةً قاسيةً ومؤلمة في تاريخ العراق.

لقد ارتبط ذلك اليوم، في ذاكرة فئات واسعة من الشعب، باغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي يعد رمزاً للفقراء والبسطاء ومؤسس أول جمهورية حرة في العراق.

 ومن هنا يادولة الرئيس المحترم  يبرز السؤال الذي يتردد في الشارع وبين المهتمين بالشأن العام: هل يعقل أن تبقى بغداد، بعد كل هذه العقود، تحتفظ بتسمياتٍ ترتبط بذكرى حدثٍ دموي ما زال مثار أسى وألم لدى مختلف العراقيين؟

دولة رئيس الوزراء، وأنت الذي عرفت بانتمائك إلى عائلة قدمت تضحيات كبيرة، هل من المعقول أن تبقى هذه الأسماء شاخصةً في قلب العاصمة، وكأنها جزء من المشهد اليومي الذي لا يمكن تغييره؟ هل من المنطقي أن تمر أكثر من ستة عقود على تلك الأحداث، ولا تزال آثارها حاضرة في أسماء الشوارع والجسور والساحات؟

إن التسميات ليست مجرد لافتات تُعلق على الطرقات، بل هي رسائل رمزية تعكس ذاكرة المكان واتجاهاته دون لبس. 

وعندما ترتبط هذه الأسماء بأيام ثقيلة وموجعة على ذاكرة الشعب، فإنها تبقى موضع تساؤل دائم، خصوصاً لدى الأجيال التي تبحث عن رموزٍ توحدها لا رموزٍ تعيدها إلى صفحات الانقسام والدم والألم.

لقد كانت سنوات حكم النظام السابق مليئةً بمحاولات تخليد أحداثه ورواياته الخاصة، عبر إطلاق أسماء وتثبيت رموز اجرامية في كل زاوية من زوايا البلاد. واليوم، وبعد أكثر من عقدين على التغيير، يتساءل كثيرون: كيف لا تزال بعض تلك الشواهد حاضرة في قلب بغداد؟ وكيف لم تجرؤ الحكومات المتعاقبة على فتح هذا الملف وإعادة النظر فيه، وكيف يتقبل إبن الشهداء السوداني هذا الأمر ؟

إن الدعوة إلى تغيير اسم شارع “14 رمضان” وجسر " ١٤ رمضان" لا تأتي من باب محو التاريخ، بل من باب إعادة قراءة الذاكرة بما ينسجم مع مشاعر الناس، وبما يليق بعاصمةٍ تُعد رمزاً لوحدة العراقيين.

 إن من حق بغداد أن تحمل شوارعها أسماءً تعبر عن قيم البناء والتقدم والحرية والسلام، وأسماء شخصيات يراها الناس رمزاً وطنياً جامعاً ونافعاً ، لا أسماء  " الطبقچلي " أو " شهداء ام الطبول " أو ما يشبهها من الأسماء !

ولعل من أبرز المقترحات التي يطرحها كثيرون أن يُعاد النظر في هذه التسميات، وأن يُطلق على بعض هذه الشوارع أسماء ترتبط برموز وطنية بارزة، ومنها اسم الزعيم عبد الكريم قاسم، بوصفه شخصيةً حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من الشعب العراقي.

دولة رئيس الوزراء المحترم..

إن هذا النداء لا ينطلق من خصومةٍ مع الماضي بقدر ما ينطلق من رغبةٍ في مصالحةٍ مع الذاكرة. 

ولا نريد أن نصدق أن أفكار العنف والهيمنة ما زالت تفرض حضورها التاريخي في تفاصيل حياتنا اليومية، أو أن تبقى آثار تلك المرحلة شاخصةً وكأن الزمن لم يتغير.

إنها دعوة وطنية صادقة لإعادة النظر في أسماء الشوارع والجسور التي ارتبطت بأيامٍ دامية واولها شارع " ١٤ " رمضان، وجسر " ١٤ رمضان" وإطلاق صفحة جديدة تُعيد الاعتبار لرموزٍ يراها الناس جزءاً من تاريخهم وهويتهم.. وإذا كانت التسمية تتعلق بشهر رمضان، فهذا الشهر مزدحم بالأيام المباركة التي تبعث في النفوس وهج الأمل والتسامح والثقة والطمأنينة والأيمان

بقدسية العمل المثمر..

 نعم يا دولة الرئيس، فالعواصم لا تُقاس بما تبنيه من طرق ومشاريع فحسب، بل بما تحمله من معانٍ ورموز في وجدان أبنائها أيضاً.

بغداد تستحق أن تكون شوارعها شاهدةً على ما يوحد العراقيين، لا على ما يذكرهم بسنوات الظلم والقسوة والدم والاجرام.

وهي مسؤولية تاريخية تقع على عاتق من يقودها اليوم، ليكتب فصلاً جديداً في ذاكرة مدينةٍ لا تزال تنبض بالحياة، وتنتظر أن تصان رموزها بما يليق بتاريخها الكبير، ونحن في جريدة الحقيقة نعتقد بل نجزم أنك الوحيد القادر على فعلها.. فأفعلها يادولة الرئيس لتدخل التاريخ من أشرف وأطهر أبوابه ..