بعد تغريدة ترامب.. ما المطلوب من الإطار التنسيقي؟

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

لم تكن تغريدة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حدثاً معزولاً أو مفاجئاً لمن يقرأ المشهد السياسي العراقي بواقعية وهدوء، بل جاءت تتويجاً لمسار طويل من سوء التقدير السياسي والخطأ في قراءة موازين القوى الداخلية والخارجية، وهو المسار الذي قاد الإطار التنسيقي إلى مأزق معقد تتقاطع فيه الانقسامات الداخلية مع الرفض الإقليمي والدولي.

فالإطار اليوم يواجه انقساماً واضحاً حول ترشيح السيد نوري المالكي، تلاه رفض من قوى سنية فاعلة، وتحفظ من قوى كردية مؤثرة، قبل أن يصل المشهد إلى مستوى الرفض الأمريكي العلني، الذي عبر عنه ترامب بصراحة غير مسبوقة.

 هذه السلسلة من المواقف المتراكمة لم تأتِ من فراغ، بل نتجت عن خلل في إدارة القرار السياسي، وتجاوز لآليات الاستحقاق الدستوري ومنطق نتائج الانتخابات البرلمانية.

لو أن الإطار التنسيقي التزم منذ البداية بقواعد اللعبة الديمقراطية، واحترم مبدأ الاستحقاق الانتخابي، ومضى بخيارات أقل استفزازاً وأكثر توافقاً، لكان قد جنب البلاد هذا الاشتباك السياسي والإعلامي والدولي، ولكان أغلق أبواب التصعيد مبكراً، ووفر على الدولة كلفة صراع لا ضرورة له.

لكن الواقع فرض نفسه، ووقع ما وقع. والسؤال الجوهري اليوم: ماذا على الإطار التنسيقي أن يفعل؟

الإجابة لا يمكن أن تكون انفعالية أو دفاعية، بل يجب أن تخضع لدراسة معمّقة وقراءة واقعية دقيقة لموازين الداخل والخارج، بعيداً عن الأنا السياسية وحسابات المكابرة. 

المطلوب من قادة الإطار وسدنة قراره أن يضعوا جميع الخيارات على طاولة التقييم، وأن يختاروا المسار الأكثر عقلانية، والأقل إثارة للجدل، والأكثر قابلية للنجاح والاستقرار، بل والأقدر على الحفاظ على المنجز الفعلي المتحقق للدولة ومؤسساتها.

القرار السياسي الرشيد لا يُقاس فقط بمن يربح الجولة الآنية، بل بمن يضمن استدامة الاستقرار، ويمنع انزلاق البلاد إلى مسارات تصادمية قد تُربك الاقتصاد والأمن والعلاقات الدولية في آن واحد. العراق لا يحتمل مغامرات جديدة ولا تجارب قاسية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مشتعلة وتوازنات دولية شديدة الحساسية.

وفي الوقت نفسه، يبقى الرفض القاطع للإملاءات الخارجية والتدخلات المؤذية مبدأً وطنياً لا يمكن التنازل عنه، لكن الواقعية السياسية تفرض التفريق بين التمسك بالسيادة وبين تجاهل موازين القوة وتأثير اللاعبين الدوليين.

فترامب ليس رئيساً تقليدياً، بل شخصية صدامية وغير مسبوقة في سلوكها السياسي، وقد يتخذ قرارات أحادية يصعب حتى على مؤسسات صنع القرار الأمريكية احتواؤها أو الحد من اندفاعها، ما يجعل الصدام المفتوح معه مغامرة غير محسوبة النتائج.

من هنا، فإن الحكمة السياسية تقتضي تجنب خلق مساحات صدام مجانية، وعدم منحه فرصاً إضافية للتصعيد، كما حصل نتيجة قرار غير مدروس أربك المشهد وفتح الباب أمام ضغوط خارجية غير ضرورية. 

المطلوب اليوم ليس التراجع المهين ولا التحدي العبثي، بل إعادة ضبط البوصلة السياسية، وترتيب الأولويات الوطنية، والذهاب نحو خيار توافقي قادر على عبور المرحلة بأقل الخسائر وأكبر قدر من الاستقرار.

هكذا فقط يمكن للإطار التنسيقي أن يحول الأزمة إلى فرصة مراجعة وتصحيح، بدل أن تتحول إلى نقطة انكسار جديدة في مسار الدولة العراقية.