السوداني يقود سفينة الإطار التنسيقي إلى برّ الأمان ويتخلى عن ذاته… موقف نادر في السياسة العراقية

بغداد- العراق اليوم:

في لحظة سياسية بالغة التعقيد، تتشابك فيها المصالح الحزبية مع الحسابات الشخصية، برز رئيس الوزراء محمد شياع السوداني بوصفه رجل دولة من الطراز الرفيع، حين قدم نموذجاً مختلفاً في السلوك السياسي، قائماً على تجاوز الذات، وتقديم العام على الخاص، ووضع مصلحة العراق فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.

السوداني، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة التجاذبات داخل الإطار التنسيقي، اختار أن يقود سفينة التحالف نحو بر الأمان، لا عبر فرض إرادته أو التمسك بمكاسبه، بل من خلال التنازل الواعي، والتجرد من الحسابات الضيقة، والتعامل مع اللحظة السياسية بروح المسؤولية الوطنية.

 هذا السلوك، الذي يُعد نادراً في المشهد السياسي العراقي، أعاد فتح النقاش حول مفهوم رجل الدولة، وحدود التضحية من أجل الاستقرار العام.

هذا المعنى أكدته بوضوح تغريدات قيادات ائتلاف الإعمار والتنمية، ولاسيما القيادي بهاء الأعرجي، الذي كتب على منصة “إكس” أن السوداني “قدّم منذ اليوم الأول لتصدّيه للمسؤولية نموذجاً فريداً في السعي نحو تحصيل وتحصين المصالح العليا دون تردد أو إحجام، حتى عندما يتعارض ذلك مع ما يعنيه شخصياً وكتلته من مصالح ومكاسب”، مضيفاً أن السوداني “فضّل أن يكون خادماً لشعبه من خلال قيادته السياسية وتأثيره الوطني المشهود”.

الأعرجي نفى بشكل قاطع ما يُشاع عن نية السوداني تسلّم أي منصب حكومي في المرحلة المقبلة، مؤكداً أن “الأولوية عنده وعندنا اليوم أن يكون العراق أولاً لا غير”، في رسالة واضحة تهدف إلى قطع الطريق أمام محاولات التأويل والتشكيك في دوافع هذا الموقف.

من جهتها، أكدت القيادية في الائتلاف حنان الفتلاوي المعنى نفسه، حين شددت على أنه “لا نية لدى السيد السوداني لتسلم أي منصب، ولا صحة للأخبار التي يتداولها البعض”، ووصفت تصرّفه بأنه تصرف شجاع قائم على الإيثار، مشيرة إلى أنه “رشّح السيد المالكي لرئاسة الوزراء، ونحن داعمون له حتى النهاية”، داعية إلى التهدئة والتقاط الأنفاس، ومكرّسة شعار “العراق أولاً” كعنوان للمرحلة.

هذه المواقف تعكس محاولة واضحة لإعادة ضبط البوصلة داخل الإطار التنسيقي، ونقل النقاش من منطق الصراع على المواقع إلى منطق الحفاظ على الاستقرار السياسي وتجنب الانقسامات الحادة. 

كما أنها تمنح السوداني صورة القائد الذي يتنازل عندما يقتضي الأمر ذلك، لا ضعفاً، بل إدراكاً لحساسية اللحظة ومتطلباتها الوطنية.

اللافت في هذا المشهد أن الشارع العراقي، الذي أنهكته الصراعات والتجاذبات، بات يبحث عن نماذج سياسية مختلفة، قادرة على كسر النمط التقليدي القائم على التمسك بالمناصب والامتيازات. 

ومن هنا، فإن خطوة السوداني، وما رافقها من إشادات سياسية، قد تسهم في ترميم قدر من الثقة المفقودة بين المواطن والطبقة السياسية، ولو بشكل نسبي.

في المحصلة، لا يمكن قراءة موقف السوداني بوصفه إجراءً تكتيكياً عابراً، بل باعتباره رسالة سياسية وأخلاقية في آن واحد، تؤكد أن السياسة ليست دائماً صراعاً على الغنائم، بل يمكن أن تكون مساحة للتضحية والتجرد، حين يتقدم الوطن على الذات، وحين يكون العراق فعلاً… أولاً.