رصاص الظل أصابني حين افشلت الإنقلاب والحرب الأهلية

بغداد- العراق اليوم:

الفريق الركن أحمد عبادي الساعدي

لم تكن تلك الايام عادية، ولم يكن الصمت الذي سبق العاصفة بريئاً، فبعد ان انكسرت الخطة الكبرى التي اريد لها ان تقتلع النظام السياسي من جذوره عبر حراك عشرين شباط 2011، بدأت ملامح الانتقام تتشكل بهدوء قاتل ذلك الحراك الذي صمم ليبدو عفوياً، بينما كانت تقف خلفه أجهزة مخابرات عربية وأجنبية، واغرقت غرفه بالاموال ليكون شرارة فوضى، وحرب اهلية شاملة.

كنت أرى المشهد قبل ان يكتمل، وأقرأ نهايته قبل ان تبدأ ، واخترقت تفاصيله، غرفة غرفة، وملفا ملفاً، حتى وصلت الى قلب السيناريو المعد لاحراق العراق، وعندما تم إفشاله وتغيير مساره، أدركت أن النجاح في تلك المعركة، لم يكن نهاية الطريق بل بدايته، وان العد التنازلي لحياتي قد انطلق بالفعل.

كنت أعلم ان من يفشل مشروعه لا ينسحب بصمت، ولا يعترف بالهزيمة، وان الرصاصة تصبح لغته الاخيرة.

 توقعت كل شيء، سيارة مفخخة، قنص، حزاماً ناسفاً، او حتى رسالة دم تطال العائلة،  كان الموت قريباً حاضراً في الحسابات، لكنه لم يكن مرعبا بقدر يقيني بان الوقوف بوجه الفوضى كان واجباً لا يمكن التراجع عنه.

لم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى جاء الموعد، ففي يوم عشرين آذار 2011، وبعد شهر واحد فقط من إسقاط المؤامرة، كنت عائداً من مدينة الكاظمين برفقة مجموعة من الاصدقاء، وبعد ان اوصلتهم الى بيوتهم في شارع فلسطين، واصلت الطريق وحدي، كان المدينة كلها فرغت فجأة من اصواتها كأنها تحبس انفاسها استعدادا لما سيقع.

وفي لحظة خاطفة ظهرت سيارة اعترضت طريقي، ترجل منها شبح يحمل سلاحاً آليا بكاتم صوت، وهنا لم تعد الكلمات تنفع فقد قرر الرصاص ان يتكلم.

إحدى عشرة رصاصة اخترقت جسدي، توزعت على الكتف والصدر والأطراف ، كانت النار تشتعل في كتفي الأيسر، وكنت اقود بلا حماية خطأ قاتل، ادركه الآن، لكنه لم يكسر إرادتي، ولا شل قراري اخرجت مسدسي ورددت النار لا بدافع القتل،  بل لكسر لحظة التفوق، وقلب المعادلة،  في ثوان قليلة ارتبك المنفذون، وانسحبوا تاركين خلفهم شارعا خالياً، سيارة مثقوبة وجسدا ينزف لكنه واقف.

تفرق المدنيون بصمت ثقيل، كأن الارض ابتلعتهم، نزلت من سيارتي التي تهشمت بفعل الرصاص، ووقفت وسط الشارع، الدم يسيل والسلاح في يدي لم اسمح للالم ان يسحبني الى الارض، ولم أترك سلاحي لحظة واحدة، لأن السقوط في تلك اللحظات لم يكن خياراً بل هزيمة.

احد السواق اوقف سيارته بعفوية شجاعة، حملني دون تردد ونقلني الى مدينة الط،  وابلغت القيادة وانا بين وعي يتلاشى وارادة ترفض الانكسار.

في المستشفى كان المشهد مختلفاً، وجوه الضباط والقيادات سبقتني الى الطوارئ، وفي موقع الحادث كان أخي وصديقي ومعلمي الفريق الركن حسين العوادي، حاضراً بثقله ومسؤوليته، واتخذ قراره السريع بالتنسيق لنقلي بطائرة عسكرية الى مستشفى بلد حيث كانت معركة اخرى مع الزمن بانتظاري.

دخلت صالة العمليات بعد اربع ساعات من النزف والصبر، أخرج بعض الرصاص، وبقي اربعة مستقرة في اماكن حرجة جداً ، قريبة من الحياة والموت معا، قرر الأطباء تركها كي ابقى على قيد الحياة، وعند رأسي وقف الفريق الأول الركن عبود قنبر،  يرافقه عدد من القيادات العسكرية العراقية في مشهد لا ينسى من التضامن والمسؤولية والشعور بأن ما جرى لم يكن استهداف فرد بل محاولة كسر دولة.

بعد ذلك تعددت التفسيرات، مخابرات متنفذة وفق معلومات امريكية، جماعات ارهابية اعتادت الاغتيالات العشوائية، عناصر فشل مشروعها في الشارع، او رسالة سياسية مرتبطة بترشيحي لمنصب رئاسة جهاز المخابرات العراقي قبل ايام قليلة من الحادث لكني ومع كل تلك الروايات بقيت مقتنعاً ان الرصاص جاء من جهة واحدة من اولئك الذين فشلوا في الانقلاب على الدولة، و أدركوا ان سقوط مشروعهم لم يكن صدفة، بل نتيجة مواجهة مباشرة مع من اختار ان يقف بوجه الفوضى مهما كان الثمن.

كانت تلك المحاولة الثالثة، لكنها لم تكن مجرد محاولة إغتيال، بل فصلا من صراع طويل، بين من يؤمن بالدولة ومن يعيش على خرابها، صراع لا يعلن نفسه في البيانات، ولا يظهر في الشاشات، بل يكتب تاريخه في الظل حيث يتكلم الرصاص عندما تفشل الانقلابات، وتبقى الحقيقة واقفة مهما نزفت.