رأي العراق اليوم لم يعد الفساد في العراق قضية مالية أو إدارية محصورة داخل مؤسسات الدولة، بل أصبح تحديا يمس أسس الدولة واستقرار المجتمع وقدرته على بناء مستقبل آمن ومستدام. فكلما اتسعت مساحات الفساد، تراجعت الثقة بالمؤسسات، وازدادت الفجوة بين المواطن والدولة، وظهرت آثار اجتماعية ونفسية تتجاوز الخسائر المالية المباشرة.
ومن هنا تبرز أهمية دور هيئة النزاهة في بناء برنامج وطني متكامل لا يقتصر على ملاحقة الفاسدين بعد وقوع الجريمة، وإنما يعمل على تجفيف منابع الفساد والوقاية منه وتعزيز ثقافة النزاهة في مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن مكافحة الفساد ينبغي أن تتحول إلى مشروع مؤسسي مستمر، يبدأ من مراجعة الإجراءات الإدارية والمالية، وتعزيز الرقابة والشفافية، وتطوير أدوات الكشف المبكر عن حالات الفساد، وصولا إلى ضمان سرعة التحقيق واسترداد الأموال العامة ومحاسبة من يثبت تورطه وفقا للقانون.
والأهم أن هذا المشروع يجب أن يرتبط بمفهوم الأمن المجتمعي. فالمواطن الذي يرى المال العام يهدر، والفرص توزع خارج إطار القانون، والخدمات تتراجع بسبب سوء الإدارة والفساد، قد يفقد شعوره بالعدالة والانتماء والثقة بالمؤسسات. وهذه التداعيات يمكن أن تتحول إلى مشكلات اجتماعية ونفسية، وتزيد من مشاعر الإحباط وعدم المساواة، بما ينعكس على السلم الاجتماعي.
كما أن الفساد يمثل عائقا مباشرا أمام التنمية. فالمشاريع التي تتعرض للهدر أو التلاعب لا تحقق أهدافها، والموارد التي يفترض أن تتحول إلى مدارس ومستشفيات وطرق وفرص عمل قد تفقد جزءا من قيمتها نتيجة الفساد وسوء الإدارة. وبذلك لا تكون مكافحة الفساد حماية للمال العام فحسب، بل حماية لمسار التنمية ومستقبل الأجيال.
ويحتاج العراق إلى برنامج متكامل تشترك فيه هيئة النزاهة مع المؤسسات الرقابية والقضائية والتنفيذية والسلطات المحلية، إلى جانب الجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، بحيث تصبح النزاهة مسؤولية وطنية مشتركة، وليس مهمة جهة واحدة.
ويجب أن يقوم هذا البرنامج على الوقاية بقدر اعتماده على العقوبة، من خلال تبسيط الإجراءات، وتقليل فرص الابتزاز والرشوة، وتعزيز التحول الرقمي، وإعلان المعلومات المتعلقة بالإنفاق والمشاريع الحكومية ضمن الأطر القانونية، وحماية المبلغين والشهود، ورفع كفاءة العاملين في أجهزة الرقابة والتحقيق.
إن بناء دولة قوية لا يتحقق فقط بتوفير الأمن وملاحقة الجريمة، بل يحتاج أيضا إلى حماية مؤسساتها من الفساد الذي يمكن أن يقوض قدرتها على أداء وظائفها. ولذلك فإن محاربة الفساد تمثل أحد مسارات حماية الأمن المجتمعي، وترسيخ الثقة بالدولة، وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية والاستقرار.
العراق بحاجة إلى الانتقال من التعامل مع الفساد بوصفه ملفات متفرقة إلى مواجهته بوصفه ظاهرة لها أسباب وآثار متشابكة. وعندما تتكامل الوقاية والرقابة والمحاسبة واسترداد الأموال والتوعية المجتمعية، يمكن أن تتحول مكافحة الفساد من رد فعل على الأزمات إلى سياسة وطنية مستدامة تحمي الدولة والمجتمع والتنمية.
*
اضافة التعليق
الفوادي والعكيلي يبحثان مستجدات العملية السياسية وانعكاساتها على العراق
العبادي يحذر من «تنظيم السلاح»: التراجع عن حصره بيد الدولة يهدد الاستقرار
مكتب هيام الياسري يرد على الجدل بشأن السكن والسيارات: إجراءات الإخلاء بدأت قبل الحملة
الأعرجي يحسم الجدل: لا سقف زمنيا لحصر السلاح بيد الدولة
الصدر يحذر إدارة النجف: لن نقف مكتوفي الأيدي أمام التجاوزات
الفريق قاسم عطا وزيرا للداخلية بإرادة نواب الشعب العراقي