بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
العراق ليس بلاد نفط، و (علي بابا والأربعين حرامي) كما يروج الحاقدون، إنما هو مهد الحضارات الأولى، وأرض الأنبياء والعلماء الذين صنعوا التاريخ والجمال الإنساني، ومنارة العلوم والشعر والفنون، وواضع القوانين، ومنجم الإبداع و المبدعين الذين أناروا الدنيا عبر السنين.. ومقالي اليوم يتعلق بواحد من المبدعين العراقيين الذين أضاؤوا بمنجزهم مساحة واسعة من ميادين الفن والمذياع والطفولة.. فهو ليس مبدعاً فحسب، إنما هو (بطل) وشجاع أيضاً، بل هو استثنائي في بطولته، ومقاومته لقسوة الأقدار .. وهنا أستطيع القول بضرس قاطع، إن ( بطلي ) هذا ليس مقاتلاً حربياً، ولا رمزاً أو قائداً من رموز وقادة الثورات الوطنية، لكنه لايقل بسالة وعطاءً وصموداً ووطنية عنهم.. فأنا مؤمن أن البطولة ليست وقفاً على ميدان معين، والوطنية ليست حكراً على نوع دون غيره .. فصاحبي هذا عراقي من الوريد إلى الوريد، جنوبي المنبت والجذر والطين .. ولد في مطلع ستينيات القرن الماضي في البصرة الفيحاء، ونما في بغداد.. فنان متعدد المواهب الفنية، فضلاً عن كونه إذاعياً ناجحاً جداً.. وصبوراً جداً، وعنيداً بشكل لا يصدق.. وهو متواضع مثل سنبلة خضراء ممتلئة حباً زاهراً.. أجل هذا هو البروفايل الذي رسمته بشكل فنتازي وشاعري لوليد حبوش، أما الـ( CV ) الرسمي الخاص بسيرته الإبداعية الواسعة، فحدث عنه بلا حرج.. وليس سراً أكشفه حين أعترف بأني أشعر بالتقصير تجاه هذا العراقي (الاستثنائي)، لأننا للأسف لا ننظر سوى لواجهة الصورة، وللظاهر من شخوصها، دون أن نكلف أنفسنا بإلقاء نظرة على بقية محتوى الصورة.. فنحن مثلاً نصفق للاعب، والهداف اللامع، و ننسى أن ثمة مدرباً اكتشفه وصقل موهبته وأوصله إلى القمة التي هو فيها الآن .. والشيء نفسه يقال عن ( الممثل النجم )، الذي نسلط عليه الأضواء، ونحجز له الغلاف، والصفحات من المجلة أو الجريدة، بينما نتجاهل الكواليس، ولا نلتفت إلى أولئك الجنود المجهولين الذين صنعوا هذا النجم..! أما المطرب الشهير الذي لا يمكن مقارنة حظه السعيد، بتعاسة وسوء حظ الشاعر والملحن والموزع الذين لن يحصدوا من ثمر جهدهم غير الريح، لأن المال والنجاح والشهرة تذهب للمطرب وحده ! والمبدع وليد حبوش أحد هؤلاء ( الجنود ) المتضررين من سياسة إعلامنا التمييزية.. لكنني اليوم قررت أن أعدل الصورة وأصحح هذا الخطأ المتوارث، عبر مقالي هذا، فأعتذر بكل عبارات الاعتذار لوليد حبوش الذي اعرفه منذ سنوات بعيدة، دون أن أعرف السبب الذي يجعلني أنسى الكتابة عنه، رغم أنه فنان عراقي مبدع يستحق أن يعرف الناس شيئاً عن عراقيته وإبداعه وشجاعته. إن هذا المقال - وإن جاء متأخراً -يأتي لإحقاق الحق، وإعطاء هذا الرجل ما له في ذمتي الوطنية والمهنية. وحكاية وليد حبوش تبدأ من عام 1963 - بعد سنة واحدة فقط من ولادته في البصرة-حين أصيب بمرض شلل الأطفال، وهو مرض فيروسي يهاجم الجهاز العصبي، ويؤثر على الحبل النخاعي، فيسبب له شللاً.. وهذا ما حدث لوليد تماماً، وإزاء هذا الحدث الخطير، قررت العائلة الانتقال إلى بغداد، التي تتوفر فيها المستشفيات، والمراكز الصحية المتطورة، إضافة إلى العلاجات المناسبة.. لكن حالة وليد لم تتحسن في بغداد للأسف.. ولم ييأس أو يستسلم للقدر -رغم صغر سنه- فأصر على الالتحاق بالمدرسة الابتدائية، و المضي نحو التعليم بعكازين، وقد أثبت وليد منذ الصفوف الاولى أنه أقوى من المرض و قسوة العوق.. لذا لم يكن غريباً أن تظهر مواهبه في الموسيقى والرسم مبكراً وتحديداً منذ الصف الأول، فشارك بعدة مسابقات محلية ودولية آنذاك، ونال عدة جوائز، كان من بينها جائزة (شانكر).. وبعد هذا النجاح كتبت الصحف عنه، مشيرة لتألقه رغم معاناته الصحية، الأمر الذي لفت انتباه الأجهزة المسؤولة، فقررت إرساله إلى بلغاريا للعلاج على نفقة الدولة، لكن حالته لم تتغير و لم تتحسن أيضاً .. فهل ياترى يستسلم، ويبكي حظه وهو العراقي الجنوبي الباسل ؟! قطعاً لا .. لذلك ذهب الى اكمال الدراسة المتوسطة ويتخرج منها بتفوق عال، مما دفعه للتقديم إلى معهد الفنون الجميلة .. ولا أريد أن أشرح هنا معاناته وقلقه من صعوبة المقابلة والقبول في المعهد، خاصة وهو بهذا الوضع الصحي ! لكنه نجح مرة أخرى، وتم قبوله في المعهد، لينتظم في قسم الموسيقى / آلة القانون/ الآلة التي يتهرب منها الطلاب الأصحاء، فما بالك بفتى يأتيها بعكازين ؟! وبفضل عزيمته ينجح أيضاً بتفوق، حتى أنه اشتغل في الاذاعة والتلفزيون عازفاً، قبل ان يتخرج من المعهد. وكانت أطروحة تخرجه من المعهد تتمثل بموسيقى ذات رؤيا جديدة ومعاصرة لأغنية (جيمالي والي)، وقد نالت إعجاب كبار النقاد والمتخصصين، من بينهم الناقد عادل الهاشمي.. حتى أنها عرضت في برنامج عدسة الفن الشهير، بعد أن تم تصويرها في ستوديو التلفزيون التربوي باخراج الراحل جاسم الصافي مدير التلفزيون التربوي .. وبعد تخرجه، انخرط وليد بالعمل الموسيقي والغنائي عازفاً تارة، وملحناً ومطرباً تارة أخرى، ثم راح يشكل فرقاً موسيقية وغنائية، أو يؤسس مرة مع عدد من الموسيقيين (ستديو صغير) للإنتاج الغنائي، وشيئاً فشيئاً بدأت ألحانه وأعماله تأخذ طريقها للبث في الإذاعة والتلفزيون، كما كان له نصيب طيب من الألحان التي قدمها بنجاح عبر برنامج أصوات شابة بدعم وإسناد من الفنان الكبير الراحل فاروق هلال. ولعل اشتغاله في مجال الطفولة لم يتوقف عند التلحين والغناء، ولا عبر تقديم البرامج الخاصة بالأطفال، أو المسرحيات، أو بتشكيل فرق للأطفال، إنما راح يقيم المهرجانات الكبيرة، وحفلات الاطفال ويؤسس أيضاً أندية خاصة بالطفولة كنادي هيلا هوب الناجح جداً محلياً وعربياً. وبعد 2003 راح وليد إلى عالم الكبار، فأعد وقدم عشرات البرامج الإذاعية والتلفزيونية الناجحة .. من بينها برنامج ( عالهوا سوا ) الاذاعي اليومي الصباحي المنوع، الذي قدمه وليد عبر اذاعة سومر لمدة أحد عشر عاماً دون انقطاع منذ عام 2010 حتى عام 2021 ثم انتقل بعده للبرنامج الصباحي (عيش اللحظة) الذي يعده ويقدمه عبر إذاعة ( الرابعة أف أم ) منذ عام 2021 وحتى اللحظة، وهذا البرنامج يحظى بشعبية قد لا ينافسه فيها برنامج صباحي منوع آخر.. ولعل سبب نجاح هذا البرنامج برأيي لا يعود فقط لموهبة وليد حبوش وخبرته الإذاعية، ولا لثقة الجمهور بمصداقية المعلومة التي يحرص على تقديمها وليد فحسب، إنما لقدرته الفائقة على تقديم مادة حلوة ورشيقة وجريئة وصادقة كذلك، خاصة وأن هذا البرنامج يتمتع بمظلة وحماية إدارية فنية يوفرها له الزميل والصديق العزيز جاسم موحان مدير الإذاعة إن هذه النجاحات الفنية، والإبداعات الإذاعية الباهرة التي قدمها وليد حبوش طيلة أربعين عاماً، تحققت بصحبة العكازين اللذين لم يفارقاه أبداً.. والآن دعوني أقول، لماذا أتحيز لهذا الرجل، ولماذا أنحني له تكريماً وتقديراً.. إذ لا يعرف الكثيرون أن وليد حبوش من أبناء الديانة المسيحية الأعزاء، ولما هاجر أغلب أقربائه إلى خارج العراق في فترة الحصار، رفض وليد الهجرة معهم رغم ظروفه القاسية، كما رفض دعوات منظمات إنسانية دولية عديدة وجّهت له للعلاج والإقامة في أمريكا وكندا وأستراليا و اوربا، لاسيما أن في امريكا وكندا يتوفر علاج خاص بتلف الأعصاب الناتج عن شلل الأطفال، فضلاً عن إمكانية إجراء عمليات جراحية تصحيحية متقدمة، مع برامج تأهيلية متطورة تهدف إلى تحسين الحركة، وتصحيح التشوهات، وتخفيف الألم لدى أغلب المصابين بهذا المرض، أو الذين يعانون من "متلازمة ما بعد شلل الأطفال"، ولكن، رغم هذه الدعوات، وإلحاح الأهل والأقرباء في بلدان المهجر، أصرّ وليد على موقفه بالبقاء في وطنه العراق، قائلاً : ولدتُ في العراق، وأعيش في العراق، وأموت وأدفن في العراق .. ختاماً : وليد حبوش لم يزل حتى اللحظة يقاتل ويكافح ويبدع وينتج بعكازين، وميكروفون فقط !
*
اضافة التعليق
بلا وداع ولا مشيعين .. فاروق هلال يمضي إلى مثواه الأخير حزيناً ومقهوراً
هل اليساري شيوعي، أم الشيوعي يساري .. وما الإختلاف بينهما ؟!
إلى الأسطورة ميسي : " أطلت الشوط في عمري .. أطال الله في عمرك " !
في الليلة الظلماء يفتقد ( الزعيم ) ..
ماذا لو يعود الشهداء العراقيون هذا الأسبوع أيضاً ؟!
لا أمريكي .. ولا إيراني .. اعتقال الفاسدين قرار عراقي قح ..