من ( كميت ) إلى ( كاليفورنيا ).. صورتان مختومتان بدمعة غالية ..

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

ولدتُ في بيت جدي- لأمي عيسى العزوز - الكائن في ناحية كميت / محافظة ميسان / قبل ليلة واحدة فقط من الدخول بشهر آب اللهاب عام 1951، بمعنى أني ولدتُ في 31 تموز - حسب والدتي رحمها الله !

وأذكر أن بيت جدي - الذي سترثه أمي بعد وفاته - كان بمقدمة بيوت الناحية التي تستقبل الفلاحين القادمين من القرى المحيطة.. وأذكر أن بيتنا يبدأ من ممر طويل جداً نسميه - المجاز- وهو  بمثابة المدخل الأول الذي يعبُر منه الزائر من الشارع إلى داخل البيت.. لذلك وضع جدي في هذا الممر أربعة أو خمسة حبوب ماء كبيرة، ليشرب منها الناس القادمون من الجزيرة إلى سوق كميت للتبضع، بلا أي مقابل، أو فائدة، أو مصلحة شخصية .

وكانت أمي تنقل الماء من (الشط ) الى هذه الحبوب بنفسها، وتبرده بالثلج في موسم الصيف يومياً.. 

كنت أرى هذا المشهد وأنا طفل فتركز في عقلي وقلبي ولم يُمْحَ من ذاكرتي قط.. 

ومنه تعلمتُ الدرس الأول في حياتي ومفاده أن هناك أشياء لا تباع ولا تشترى، لأنها أغلى من كل ثمن  ..!

وفي ( مدرسة كميت ) كنا نشرب الحليب المجاني الذي تقدمه لنا إدارة المدرسة يومياً في عهد الزعيم، الفذّ، الخالد، عبد الكريم قاسم، نشربه بكوب معدني واحد، أنا وزميلاي ابن (عمارة الصابئي)، وابن ( المعلّمة ) سميرة المسيحية، ولم نتوقف عن هذا ( الطقس ) مذ كنا طلاباً في الصف الأول حتى الصف الرابع الابتدائي، حيث انتقلنا بعدها إلى بغداد.. ولم يكن أحد منا يفكر باختلاف دياناتنا قط..

وبذلك فقد اعتمدنا بدون أن ندري، مقولة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام :

" فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، أَوْ نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)" قبل أن تعتمدها لجنة حقوق الإنسان للأمم المتحدة في عام 2002 كوثيقة رسمية من وثائق حقوق الإنسان العالمية، وتعتبرها إحدى أهم الوثائق في تاريخ البشرية.. لقد كنا نحن الأطفال الثلاثة بأدياننا الثلاثة، أخوة في (الخلق ) كما قال أبو الحسن، رغم أننا نعيش في مدينة صغيرة، لم يكن فيها ( إسالة ماء )، ولا كهرباء، ولا مستشفى، ولا ملعب، ولا شارع واحد معبّد، أطفال صغار بمدينة بعيدة تقع في أقصى الجنوب العراقي، ولم يكن لها وجود حتى في أطلس الخارطة العراقية، لكننا كنا أكثر رقيّاً وحضارة وعدلاً وروعة وحباً وإنسانية وجمالاً من هؤلاء ( الخنازير ) الذين يعيشون اليوم في القرن الحادي والعشرين، ويقيمون في مدن مضيئة، متحضرة، مترفة، ومتعلمة، يدّعي أهلها العدل، وينادي حكامها بالمساواة بين الأمم.. مدن تعتبر الأرقى بين جميع مدن العالم .. 

ولا أعرف كيف يمكن المقارنة بين ثلاثة أطفال من ثلاثة أديان، يشربون من كوب واحد في المدرسة، بكل أريحية ونقاء وصفاء ومحبة وطيب خاطر، بعد أن اتفقوا على أن يأتي أحدهم بكوبه فقط، بدلاً من جلب الأكواب الثلاثة كل يوم.

ولا اعرف كيف تجوز المقارنة بين رجل عجوز  لا يقرأ ولا يكتب ، كان يضع قبل قرن من الزمان خمسة حبوب ماء في ( مجاز ) بيته المفتوح بابه في الظهيرة اللاهبة، ويرهق وحيدته الشابة - أمي - بنقل الماء على رأسها، صباح كل يوم دون كلل، كي يشرب منه الفلاحون العطاشى، والمتعبون من مشقّة السفر، وعناء المشي على الأقدام، دون أن يتذمر أحد من أفراد العائلة، حتى حين ينام الفلاحون مع حاجاتهم في ساعات الظهيرة قرب حبوب الماء الباردة في ذلك المجاز الطويل..

نعم، لا أعرف كيف أقارن بين هذه الروعة، والمشهد اللا إنساني الذي حصل قبل أيام في أحد أسواق ولاية كاليفورنيا، حين نظر رجل أمريكي كبير في السن إلى زوجتي ( المحجبة ) بعين غاضبة وحاقدة، ولأنه لم يستحمل مشهدها، فقد بصق على الأرض (احتقاراً ) لحجابها، وإيحاءً واضحاً بعدم قبولها في مجتمعه ( الحضاري والعادل جداً)، وهي في كل الأحوال إشارة حقيرة، غبية، خالية من كل معاني وجمال الإنسانية.. فأيّ مدنية وحضارة هذه التي لاتسمح لهذا الشخص بتحمل رؤية امرأة من دين آخر، امرأة هو  لا يعرفها ولا هي تعرفه، ولم تكن بينهما أيّ مشكلة، سوى أنها ( آدمية ) قادمة من بلاد لها قيَم أصيلة، وإرث حضاري وأخلاقي .. بلاد فيها مدن (إنسانية) وكريمة مثل مدينة كميت، وهو خنزير قادم إلى أمريكا حتماً من حضيرة ( صهيونية) عفنة، أو أية ( زريبة ) تشبهها عفونة وكراهية وعنصرية مقيتة.. والمؤلم هنا أن زوجتي لم تتحمل تلك الإهانة، فبكت، وذرفت دمعة .. ولكن أيّ دمعة غالية وعزيزة وكريمة ذرفتها أم حسون !!