بغداد- العراق اليوم:
فالح حسون الدراجي
أولاً وقبل كل شيء أودُّ القول إنَّ خسارة منتخبنا الوطني أمام فريق النرويج كانت ظالمة في كل شيء، لأنَّ فريقنا لا يستحق هذه النتيجة القاسية أبداً، فقد كان بالإمكان تحقيق نتيجة أفضل من التي خرجنا بها لولا الأخطاء التي حصلت. ولا بأس أن نتذكر بأننا لم نذهب إلى مُونديال 2026 لنفوز بكأس العالم، بل ولم نكن نتوقع الفوز على فريق النرويج، لأننا كجمهور وإعلاميين ومسؤولين أناس عقلاء، نستطيع أن نُميِّز الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ونعرف جيداً حدود مستوانا الكروي، لذلك وضعنا سقفاً لطموحاتنا ولم نرفع هذا السقف إلا قليلاً بعد أدائنا الجميل وتعادلنا المُبهر مع منتخب إسبانيا الذي يُعَدُّ أحد أبرز الفرق المُرشَّحة للفوز بهذه البطولة. لذلك كان أقصى طموح العراقيين، وأنا أحدهم، أن نكسب نقطة واحدة من هذه المباراة، لا سيما أن لاعبي ومدرب منتخبنا قد عاهدوا الجمهور العراقي على تحقيق نتيجة جيدة ومقبولة في أولى مباريات البطولة، واللعب برجولة وقوة وأداءٍ عالٍ، لكن الرياح لم تَأْتِ كما تشتهي السفن العراقية، فخسر منتخبنا بأربعة أهداف مقابل هدف واحد، وهي نتيجة مُخَيِّبَةٌ للآمال دون شك، لا تتناسب قطعاً مع انتظارنا الطويل والقاسي الذي دام أربعين عاماً.. ولكن ماذا نفعل؟ هل نلطم على رؤوسنا ونشق صدورنا ونرتدي السواد ونعلن الحداد الرسمي أربعين يوماً لأننا خسرنا أمام منتخب يلعب فيه هالاند وأوديغارد وسورلوث وغيرهم من نجوم أندية أوروبا؟ وهل من الصحيح أن نقيم الدنيا ونقعدها على رؤوس لاعبينا، ونقذفهم بكل هذا الكلام الوسخ لمجرد أنهم خسروا بأربعة أهداف وليس بهدفين أو ثلاثة فقط؟ وما ذنب هؤلاء الفتية إذا كان الفارق بينهم وبين لاعبي النرويج كبيراً وشاسعاً، سواء في البنية الجسمانية والنفسية، أم في اكتشاف المواهب ورعايتها منذ نعومة الأظفار، أم في التغذية والتربية والتعليم والطب والعلاج والوقاية، أم في العلاقة بين اللاعبين والمدربين والبيئة الإدارية؟ إن الفرق شاسع حتماً بيننا وبينهم، لذلك لم يكن غريباً أبداً أن نخسر أمامهم، لكن الغريب هو ظهور بعض لاعبينا بمستوى لا يتناسب مع حجم البطولة وقوتها، خصوصاً الحارس جلال حسن، وإبراهيم بايش، وزيد تحسين. ومع هذا يجب أن نعرف أن جميع لاعبي منتخبنا، بما فيهم اللاعبين الثلاثة، لم يكونوا راغبين في هذه الخسارة الثقيلة، ولم يسعوا إليها قط، إذ لكل لاعب قدراته وإمكاناتُه المحدودة، وهذا ما حصل أمام النرويج للأسف الشديد. وإذا أردنا أن نلوم أحداً على هذه الخسارة، فلن نلوم غير المدرب آرنولد، فهو الذي يعرف مزايا كل لاعب في فريقه، ويُقدِّر إمكاناتِهِ الفنية والبدنية واستعداده لهذه المباراة أو تلك. وإلا كيف يشرك جلال حسن حارساً للمرمى، وهو لاعب قصير القامة، ولا يشرك أحمد باسل الأطول قامة، والأشجع منه في الخروج من منطقة الست ياردات، وفي التحرك داخل منطقة الجزاء، وهو -أي المدرب - يعرف جيداً أنه يواجه فريقاً يضم أطول مهاجمَين في البطولة، مُهاجِمَيْنِ يُجيدان ألعاب الهواء بشكل بارز ومعروف للجميع؟! وكيف يشرك إبراهيم بايش أيضاً، وهو يعلم أن في مركز بايش ثلاثة لاعبين يجلسون على الدكة، كلهم أفضل وأصلح منه فنياً وبدنياً وذهنياً؟ لقد ظهر بايش في مباراتنا أمام النرويج بطيئاً وثقيلاً وخائفاً، فكان يعيد الكرة مرات عديدة إلى الخلف بلا مبرر، ولم يكن يجرؤ على التقدم بها إلى الأمام حتى حين كان فريقنا يشن هجمة مرتدة سريعة. إن إصرار السيد المدرب على إشراك جلال وإبراهيم أمر غير مفهوم بالمرة، بل ومُحَيِّرٌ جداً للجميع. أما زيد تحسين، فالرجل بصراحة ليس بمستوى بطولات ومباريات من هذا النوع العالي والكبير، إذ كان على المدرب آرنولد البحث عن قلب دفاع آخر يستطيع اللعب بالقدمين بالقدرة نفسها التي يمتلكها في ألعاب الهواء. وأنا واثق بأن في بلدنا منجماً كروياً مزدحماً بالمواهب الفنية العالية، بدءاً من حراس المرمى مروراً بالدفاع والوسط وانتهاءً بالهجوم، بشرط أن يتخلى الاتحاد الكروي عن أسلوب المُحاباة والمَحسوبيَّة الذي يمارسه منذ سنوات، وأن يبتعد عن التأثيرات ( المختلفة ) عند دعوة اللاعبين إلى المنتخب، وأن يبتعد المدرب آرنولد أيضاً عن القضايا الشخصية في تعامله مع اللاعبين. فأنا ومعي كثيرون نعرف لماذا أبعد السيد آرنولد اللاعب المِهاريَّ الفَذَّ بيتر كوركيس من تشكيلة المنتخب، وإذا صحت المعلومة التي لدينا فستكون نقطة سوداء في سجل هذا المدرب الكُفوء. وعودةً إلى عنوانِ مقالي أقول: هل إنَّ عاقلًا واحدًا يظنُّ أنَّ لاعبينا قد تعمَّدوا الخسارة، لا سمحَ الله؟! الجواب: قطعاً لا!! إذن لماذا نُسيءُ إلى لاعبينا بكلماتٍ نابيةٍ وجارحةٍ وخارجةٍ عن حدودِ اللياقةِ والذوقِ والتهذيبِ والقيمِ العراقيةِ السامية؟ ولماذا نَصِفُهم بأرذلِ عباراتِ البذاءة، وهم إخوتُنا وأبناؤُنا؟ حتى بدا أنَّ بعضَهم كان ينتظر هذه الفرصةَ القبيحةَ ليَسُبَّ ويشتمَ (براحته) هذا اللاعب، وينتهك عِرضَ ذاك، دونَ أن يمنعَه أحد!! إنَّ من الظلم أن نضع كلَّ مسؤولية الخسارة على عاتق جلال حسن وإبراهيم بايش وحدهما، ومن العارِ أيضًا أن نُهينَ ونلعنَ شبابَنا لمجرَّدِ أنَّهم خسروا مباراةً في كرةِ القدم. نعم، كانت الخسارةُ مؤلمةً، ومن حقِّ الجمهورِ العراقيِّ المتألِّمِ أن يُعبِّرَ عن مشاعرِه، وله الحقُّ في أن ينتقدَ اللاعبين الذين تسبَّبوا بهذه الخسارةِ الفادحة، ولكن بشرط أن يكون النقد بنَّاءً وموضوعيًّا وهادفًا ومحترمًا أيضًا. فنحن شعبٌ راقٍ، له تأريخ حضاريّ عظيم، ونحن أبناء بَرَرَةٌ لآباء شرفاءَ علَّمونا القيم والأخلاق قبل كلِّ شيء، ولم يعلِّمونا يوما التَّفوُّه بمثلِ هذه العباراتِ البذيئة، ولا التكلُّم بمثل هذه الكلماتِ غيرِ اللائقة. وما علينا إلا أن نتذكَّر أنَّ هؤلاء اللاعبين عراقيون، لهم مثلُنا آباء طيِّبون، وأمهات طاهرات، ولهم أخوات نجيبات، وإخوة كرماء، يقرؤون ما تكتبون. فهل فكَّرتم بهم وبهنَّ قبل أن يرميَ البعض هذا الكلامَ البذيءَ والقَميءَ والمبتذلَ بحقِّهم وحقِّ عوائلهم؟ أنا، ومنذُ يومِ أمسِ وحتى هذه اللحظة، مصدوم بل ومفجوعٌ بهذا السيل الجارفِ من الإساءة، ومن هذا القيءِ المؤلمِ المنثورِ والمنشورِ في مواقعِ وصفحاتِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعي وبعضِ القنواتِ الفضائية بحق بعض لاعبي منتخبنا. لقد تحوَّلت مواقع السوشيال ميديا خلال هذين اليومين إلى بالوعةٍ عفنةٍ تنبعثُ منها روائحُ نَتِنَةٌ، صادرةٌ عن أفواهٍ وأقلامٍ وصفحاتٍ وقنواتٍ وحساباتٍ يحمل أصحابُها شرفَ المواطنة العراقية وإسمها الكريم ظلماً..! فهل سيتوقف هؤلاء عن الإساءة إلى أسود الرافدين
*
اضافة التعليق
فيلم سينمائي وحلم شخصي يتحققان في أمريكا ..!
هل سنفوز بكأس العالم .. أم ثمة فريق آخر سيفوز ؟!
هدف ( كاكه) دوسكي يرفع سقف طموحنا إلى ( أربع نقاط ) !
من (عبرت الشط ) إلى أغنية ( متى ) .. ماذا تغير في كاظم الساهر ؟
من أي طينة جبلت يا رحمن الكردي؟
في كل بيت عراقي شاعر .. وفي كل دفتر قصيدة ..