منتخب العراق ينجح في إدخال الحوت الأزرق من خرم الإبرة، ويتأهل لكأس العالم ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

فاز العراق على بوليفيا وتأهل لكأس العالم بعد فراق طال مداه حتى عطشت القلوب شوقاً لرؤياه !!

وللحق، فأني لم أكن أنوي كتابة مقالة عن هذا الفوز رغم أهميته الكبيرة، لأني وبصراحة قررت ومعي الزملاء في الجريدة أن نستغل الإجازة التي وفرتها الحكومة العراقية بتعطيل الدوام الرسمي بسبب هذا الفوز الكروي المهم ونتمتع بهذين اليومين كما يتمتع بقية الموظفين العراقيين، ولكن أنّى للصحفي العراقي أن يتوقف، أو (يتعطل)، في مثل هذه الأيام المهمة التي يمر بها البلد والمنطقة فضلاً عن طلبات الأصدقاء مني أن أكتب مقالاً عن هذا الفوز التاريخيّ، ومن بينهم الصديق العزيز الفريق الركن محمد المگصوصي وغيره من الأحبة الأصدقاء.

وقبل أن أبدأ، أود أن أوضح أن هذا المقال رياضي قح، بمعنى هو  رياضي خالص لوجه الرياضة الناصع، ولا علاقة له بأي طرف سياسي، سواء بالموجب أو السالب. 

ولنبدأ من عنوان المقال الذي اعتمد مقولة الزميل المحلل الرياضي سامي عيسي حول " مرور الحوت من خرم الإبرة"، إلى آخر المثال الذي عرضه الزميل سامي بالصوت، والصورة والإبرة أيضاً، حتى باتت هذه المقولة اليوم أشهر من أي مقولة كروية أخرى. 

ورغم أن عدداً كبيراً من العراقيين قد انتقد الزميل سامي على تشاؤمه المفرط، إلا أني كنت أتفق معه في فكرة عدم التأهل لكأس العالم، لكني أختلف معه في مرور الحوت من خرم الإبرة، وحجم التشاؤم المفرط.. أما لماذا اتفقت واختلفت معه في آن واحد فهذا يعود لأن منتخبنا يضم بعض اللاعبين الذين لا يستحقون - فنياً - ارتداء فانيلة المنتخب الوطني، ولا يمكن التعويل عليهم في مواجهة فريق عريق ومتمكن مثل فريق بوليفيا، وقد أكد بعضهم رأيي هذا أمس، حتى ونحن نفوز على منتخب بوليفيا، إذ كان الفرق واضحاً بينهم وبين بعض زملائهم المهاريين.. هذا أولاً، أما ثانياً، فإن خلفية منتخبنا في أغلب المباريات التي خاضها في ذات التصفيات كانت هزيلة، وقد أخفق في عدة مباريات سهلة، ومع فرق لا تصل حتى إلى ربع مستوانا.

فهل تحبون أن أذكركم بخسارتنا أمام منتخب فلسطين، ام بتعادلنا أمام الكويت، ام غيرهما من الفرق والمباريات السهلة.. لذلك فإن ثقتي بفوز هذا المنتخب على أحد أبرز منتخبات أمريكا الجنوبية، كانت مهزوزة .. لكن الفرق بيني وبين الزميل سامي عيسى، هو أني وضعت أمنية كانت كافية -إن تحققت- وهذه الأمنية تتمثل بشحن الغيرة العراقية المعروفة، واللعب والتنافس بالدم العراقي الحار، واستحضار صورة العراق بكل شموخه وألقه وتأريخه وعنفوان شعبه.. وقتها سيفوز هذا المنتخب حتماً، بل وبنفس اللاعبين، حتى لو افتقد بعضهم للمؤهلات الفنية العالية، فحين تتحرك في دماء لاعبينا غيرة العراقيين وشهامتهم، وتبرز أمامهم نخوة آبائهم وأعمامهم وأخوالهم التي صنعت المستحيل في ساحات المعارك وساحات البناء بل وحتى في ساحات الملاعب أيضاً، فلن يستطيع احد الوقوف بوجههم أبداً ..! لذلك تراني أجبت على رسالة صديقي علاء راضي أبو همام، حين سألني قبل ساعات قليلة من المباراة عن توقعي للنتيجة- وقد كان صديقي علاء خائفاً - ، فقلت له: لا تخف، وثق إننا سنفوز، رغم أن مستوى منتخبنا ليس بالجيد. 

نعم هكذا كان رأيي قبل المباراة، لكن الصورة في نظري وعقلي وقلبي تغيرت حين رأيت أبناءنا ( أسوداً ) فعلاً في مباراة أمس. وأقسم أني كنت أرى في الملعب مقاتلين أشداء يقاتلون بكل عزيمة وقوة وغيرة وصبر.. وليس لاعبي كرة فحسب.. بالله عليكم أيها العراقيون، هل رأيتم أبناءكم كيف استبسلوا في المباراة، وكيف صمدوا في الدقائق العشر الأخيرة من وقت المباراة.. وهل رأيتم أنفاسهم كيف تتقطع، دون أن يأبهوا لتقطع الأنفاس، أو أن يسمحوا للتعب والإجهاد أن ينالا منهم، بقدر ما كانوا يفكرون في أمر واحد: كيف سيفوزون، ويسعدون العراقيين الذين حرمتهم الأقدار من كل سعادة، وكيف سيخرجون بفوزهم ملايين الناس من بيوتهم ليملؤوا شوارع بغداد والبصرة والعمارة واربيل والرمادي والحلة وذي قار وبقية مدن العراق بالفرح والرقص والأغاني والأعلام العراقية الملونة .. لقد كنت واثقاً من أنهم سيقاتلون، وسيستشهدون في الملعب لو تطلب الأمر منهم أن يستشهدوا ..!

لذلك أسست قناعتي وثقتي بالفوز، مسقطاً من حسابي كل الأسباب الفنية السلبية، فأنا أعرف اهلي وأخوتي وأبنائي العراقيين عندما يريدون شيئاً، وأعرفهم حينما يقررون.. وهاهم يقررون ويفعلون ما يشبه المستحيل..

لقد تحقق الفوز أولاً بفضل اللاعبين انفسهم، فهم الذين قاتلوا في الميدان، وهم الذين انتصروا .. 

أما الفضل الثاني فيسجل للمدرب الاسترالي غراهام أرنولد، الذي تمكن من تغيير صورة منتخبنا تغييراً شاملاً، عكس ما قام به مدرب منتخبنا السابق السيء كاساس !!

أما الفضل الثالث فيسجل للجمهور العراقي العظيم الذي حضر المباراة في ملعب مدينة ( مونتري ) في المكسيك.. لقد جاء هذا الجمهور من مدن ساندياگو وتكساس ولوس أنجلس بل وحتى من ولاية مشغان الأمريكية البعيدة.. كما جاء بعضهم من كندا أيضاً.. ناهيك من بعض العراقيين الذين جاؤوا من العراق رغم ظروف النقل والطيران الحالية التي بات يعرفها الجميع.

لقد كان هذا الجمهور مفاجاة المباراة المذهلة التي لم يحسب البوليفيون حسابها قط، فكان وجوده بمثابة اللاعب الثاني عشر لمنتخب العراق أمس..

والآن، ونحن نتحدث عن عوامل الفوز وعناصر التأهل المميزة، يتوجب علينا أن نذكر الدعم المميز لرئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي عمل على توفير دعم مالي سخي عبر إقرار عدة موازنات أسهمت في تطوير البنية التحتية للمنتخب، وتأمين الكثير من احتياجاته اللوجستية والفنية، وتواصله المباشر وشيه الدائم مع المدرب واللاعبين.. كما تابعت حكومة السوداني، تفاصيل رحلات المنتخب لحظة بلحظة، حيث لم تدخر جهداً في توفير سبل الراحة والتنقل، سواء عبر تنظيم رحلات جوية متكاملة أو عبر تأمين معسكرات تدريبية ملائمة، بما يضمن أفضل استعداد ممكن للمباريات الحاسمة، وهذا ما كان يفتقده المنتخب العراقي في السابق..

ومادمنا نتحدث عن طيب المواقف، يجب ان لا ننسى مئات المواقف النبيلة والداعمة التي وقفها المحللون والإعلاميون العرب خصوصاً امس، بدءاً من النجم محمد ابو تريكة، مروراً بالإعلامي الدكتور ممدوح نصر الله والإعلامي المصري المميز علي سعيد وليس انتهاءً بالإعلامي القطري محمد سعدون الكواري.. وعشرات مثلهم من الذين دعموا منتخبنا، وفرحوا كثيراً بفوزنا وتأهلنا لكأس العالم 2026 ..

وفي المقابل فقد تلقيت رسائل عديدة من الأخوة العراقيين، وهم يبدون غضبهم وانزعاجهم من بعض ( العراقيين) الذين أبدوا بشكل او بآخر عدم تفاعلهم، بل وعدم ارتياحهم من هذا الفوز، حتى ان بعضهم تمنى لو لم يفز المنتخب العراقي بحجة أن (مبابي وهالاند ) سيبهذلان لاعبينا في مباريات كأس العالم!!

 وللحق فأني لم أعلق على أصحاب هذا التمني لأنهم لا يستحقون الرد والتعليق. أما بعض (العرب) الذين أغاضهم فوز العراق وتأهله فقد تكفل بهم الكثير من العراقيين، ومن أخوتنا  العرب أيضاً..

بالمناسبة تلقيت رسالة من الصديق، القاص والصحفي المعروف محمد إسماعيل يقول فيها :  " لقد صعد العراق الى نهائيات كأس العالم، بشيعته وسنته ومسيحييه وعربه وكرده وتركمانه.. وقل موتوا بغيظكم" أيها (……..) فقد صعدنا بزودنا منتصرين على مؤامراتكم الوضيعة، وصعدتم بالرشاوى "وإن غداً لناظره قريب ..!

كما بعث لي الشاعر الفذ جواد الحمراني برسالة يقول فيها: "لست مهتما، لكن الفوز أفرحني جداً لأنه احزن الاردنيين جداً .."

وسأختم مقالي بهذه الأهزوجة الشعبية العراقية التي تنشد وتهزج بها أمهاتنا وأخواتنا في أفراح الأعراس، ومفادها :

"فرحنا واليحبنا يفرح ويانا"

أما ( الآخرون ) - وأنتم تعرفونهم- فقد كان الله في عونهم وعون كل مريض..!!