من قال أن واشنطن لا تثق بالسوداني؟! إقرأ مقال تيم كونستانتين نائب رئيس تحرير واشنطن تايمز لتعرف الحقيقة جيداً

بغداد- العراق اليوم:

المقال مترجم إلى العربية:

———————————

عنوان المقال؛ 

لماذا قد ترغب واشنطن بوضع ثقتها في السوداني؟

تيم كونستانتين

نائب رئيس تحرير واشنطن تايمز

بينما تنخرط إدارة دونالد ترامب في مفاوضات مع إيران تتأرجح يوميًا بين احتمالات التوصل إلى اتفاق متحفظ وخطر تجدد المواجهة العسكرية، يصبح الحفاظ على الاستقرار النسبي الذي تحقق حديثًا في العراق، الجار المباشر لإيران، أولوية استراتيجية للولايات المتحدة لا ينبغي إغفالها.

لقد تمتع العراق بعلاقة متينة مع الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة. فقد كانت العلاقات الحكومية جيدة إلى حد معقول، ومع الاستقرار الملحوظ الذي ترسخ خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضية، بدأت شركات أمريكية كبرى ترى مزايا الاستثمار والعمل في بغداد. وفي الوقت نفسه، حافظ العراق على علاقة عمل مع إيران، وهو أمر عملي ومنطقي بالنسبة له.

أجرى العراق انتخابات في نوفمبر الماضي، حيث حصل أنصار رئيس الوزراء الحالي على عدد مقاعد أكثر من أي حزب آخر، لكنهم لم يحققوا العدد الكافي لإعادته إلى المنصب مباشرة. وبدلاً من ذلك، استمرت العملية المعقدة لاختيار رئيس الوزراء لأشهر. والآن دخلت مراحلها الأخيرة. وقد تم اختيار رئيس جديد – وهو منصب شرفي إلى حد كبير – من الأكراد، وفقًا للعرف المتبع في العراق الحديث. وبناءً على ذلك، بدأ العد التنازلي لاختيار رئيس وزراء جديد، ومن المتوقع حسم القرار خلال أقل من أسبوعين.

إن وجود رئيس وزراء عراقي يمتلك فهمًا واضحًا للولايات المتحدة سيكون أكثر أهمية من أي وقت مضى بعد تسوية الأمور مع إيران. فالاختيار الصحيح ضروري لتعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة، ولتحديد كيفية مساهمة هذه العلاقة في رسم مسار العراق داخل بيئة إقليمية مضطربة.

في هذا السياق، يبرز رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني كشريك موثوق. فهو لم ينجرّ إلى مهادنة مفرطة مع إيران، ولم يدفع العراق نحو التصعيد، بل انتهج سياسة توازن دقيقة تحمي مصالح العراق وتمنع انجراره إلى صراع مفتوح، مع تبني سياسة واضحة تقوم على عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وهو ما ظهر أيضًا في تعامله المتوازن مع التطورات في سوريا.

في عام 2025، وخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، لعبت حكومة السوداني دورًا حاسمًا في منع جرّ العراق إلى المواجهة. وخلال هذا العام، ساهمت حكومته في حماية المصالح الأمريكية داخل العراق من خلال إيقاف عشرات العمليات التي استهدفت أصولًا أمريكية. وقد تحقق ذلك رغم أن حكومته كانت تعمل بصفة تصريف أعمال بصلاحيات محدودة منذ انتخابات نوفمبر، وفي ظل بيئة أمنية معقدة، حيث شهدت إحدى الفصائل المسلحة، وهي قوات الحشد الشعبي، خلافات حادة مع الولايات المتحدة.

وتُظهر العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة والحشد الشعبي أن قضية الفصائل المسلحة والسلاح خارج إطار الدولة لا تزال تمثل تحديًا كبيرًا. ويرى كثيرون أن هذه المشكلة لا يمكن حلها بالقوة، بل عبر مسارات سياسية ودبلوماسية معقدة، وهو النهج الذي يواصل السوداني اتباعه.

وقد أثبت رئيس الوزراء قدرته على إبقاء العراق بعيدًا عن الحروب ومنع التصعيد الداخلي، كما أظهر مرونة سياسية من خلال تأمين إطلاق سراح صحفي أمريكي مختطف خلال أيام، وهو ما يعكس قدرته على إدارة الأزمات بواقعية وسيطرة.

وتُصوّر بعض الروايات المبسطة العراق على أنه مجرد ساحة صراع بين واشنطن وطهران، لكن الواقع مختلف؛ فالعراق اليوم ليس كيانًا فارغًا يمكن تشكيله وفق إرادة خارجية، بل هو دولة ذات نسيج داخلي معقد، تتداخل فيه عوامل سياسية واجتماعية وأيديولوجية بشكل فريد، ما يجعل كل قرار استراتيجي خاضعًا لحسابات دقيقة.

تُدار العلاقات الدولية عبر المصالح المشتركة وإدارة الخلافات. وقد طُرح اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كخيار محتمل، إلا أن عودته إلى المنصب قد لا تكون خطوة حكيمة، خاصة بعد أن صرّح الرئيس ترامب في يناير بأنه في حال اختياره “لن تستمر الولايات المتحدة في مساعدة العراق”. وقد شهدت علاقة المالكي بواشنطن توترًا خلال ولايته السابقة بسبب تقاربه المتزايد مع إيران، ويبدو أن ترامب لا يتسامح مع هذا النهج.

وعلى النقيض من ذلك، لا يبدو أن الإدارة العراقية الحالية معزولة أو تفتقر إلى الثقة. فالسوداني قائد يدير توازنًا معقدًا بين الضغوط الداخلية والتوقعات الخارجية. وهو يعمل ضمن هامش ضيق، لكن بحذر وواقعية، محافظًا على استقرار هش في بيئة يمكن أن تنفجر في أي لحظة إذا أُسيء التعامل معها.

ينبغي على الولايات المتحدة أن تنظر إلى تجربة السوداني من ثلاث زوايا: كنموذج لإدارة التوازن، وكضمانة لمنع انزلاق العراق نحو محور واحد، وكفرصة للحفاظ على شراكة مستقرة في بيئة مضطربة.

وبينما يراقب العالم الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، قد يغفل البعض أهمية اختيار رئيس الوزراء في العراق، لكن في نهاية المطاف، ومع انحسار التوتر بين واشنطن وطهران، قد يكون الشخص الذي يقود بغداد عنصرًا حاسمًا في ضمان السلام والاستقرار على المدى الطويل.