هل ستحتفلون؟! نعم، سنحتفل..

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

سألني صديقي أبو مهند : هل ستحتفلون بميلاد الحزب الشيوعي هذه السنة ؟

قلت له: نعم سنحتفل..

قال : هل أنت متأكد؟!

قلت له: نعم متأكد مليون بالمية.. سنحتفل بذكرى ميلاد الحزب الشيوعي الثانية والتسعين رغم كل الظروف القاسية التي نمر بها، ورغم هذا الكم الهائل من المصائب والمرارات والهموم التي تعشش في صدورنا هذه الأيام. فرحيل القائد المحبوب، سكرتير الحزب الشيوعي السابق حميد مجيد موسى ( أبو داود)، وفي مثل هذه الظروف، ليس أمراً هيناً علينا، ولا يمكن لأي شيوعي تجاوز هذا الأسى بسهولة، كما أن الحرب القاسية التي يمر بها العراق وبلدان المنطقة هذه الأيام بسبب العدوان الأمريكي الصهيوني على الجارة إيران وما يفعله هذا العدوان من دمار وتدمير وحرائق وخراب كبير، فضلاً عن سقوط عدد كبير من الضحايا الأبرياء من أبناء الشعب الإيراني وشعوب الخليج العربي، لا يمكن معالجة الخراب وترميم النفوس قبل مرور سنوات عديدة على حدوثه ..

 أما مرارة وحزن العراقيين باستشهاد كوكبة من أبطال الحشد الشعبي والجيش العراقي الباسل، ورجال القوات الأمنية العراقية، وقوات البيشمرگة، وقوات الحدود الرابضين بشموخ على حدود العراق، لهو الوجع الأشد على قلوبنا .. 

ولا أخفي عليك، فربما تنغص هذه الأوجاع فرحتنا بعيد الميلاد لكنها لا تمنعنا حتماً عن أداء هذا الطقس العزيز والغالي على أفئدتنا.

ثم أكملت حديثي لصديقي أبي مهند قائلاً: سنحتفل هذه السنة مثل كل سنة، وسنوقد شموع آذار في كل مكان نكون فيه..  سواء في المدن والأرياف والأهوار والجبال العراقية، أو في مختلف دول ومدن العالم  التي وصلها العراقيون، وبث فيها الشيوعيون الرائعون عطر إبداعهم وجمالهم .. 

قاطعني صديقي قائلاً: 

أنا في الحقيقة كنت أسأل عن احتفال الحزب الرسمي أو  المركزي الذي يقام كل عام بمناسبة ميلاد الحزب .

 قلت له: أجل ياصاحبي، سيحتفل الحزب رسمياً، وسيقيم حفلاً مركزياً دون شك، وأعتقد أن قيادة الحزب الشيوعي قد أجلت موعده لأيام معدودة بسبب الظروف والأوضاع الحالية، لكنه سيقام قطعاً.

قال: وأنتم أين ستحتفلون؟ قلت: سنحتفل في البيوت والحدائق والبساتين، وفي القاعات ومقرات الحزب والنوادي العامة.. سنحتفل أفراداً وجماعات وعوائل، وسنغني جميعاً : " سالم حزبنا ما همته الصدمات".

سنحتفل مهما قست وصعبت الظروف، فهذا قدرنا وطريقنا الذي اخترناه بمحض ارادتنا، وأرجو أن تعرف أن احتفالنا بميلاد الحزب ليس ترفاً ولا رفاهية، ولا تجمعاً لتبادل التهاني، وترديد الأغاني و القصائد الشعرية فحسب، إنما هو انتماء وحب وشوق و إيمان وفعل مرتبط وجدانياً ومصيرياً بقلب وضمير كل شيوعي عراقي، بل وأيضاً بقلب كل صديق ومؤازر ومناصر للحزب .. فالاحتفال بميلاد الحزب الشيوعي يمثل لدينا فرصة ذهبية لا تقدر بثمن من أجل تجديد العهد على مواصلة النضال حتى تحقيق الهدف الأسمى المتمثل بحرية الوطن وسعادة الشعب.. وهو تأكيد وتعميق الولاء لقيم الحزب ومبادئه وسمو أهدافه وشعاراته الشريفة..  فمن منا يفوّت هذا الوعد النبيل، ويحرم وجدانه من هذا العهد الأخلاقي الناصع

وهو الذي يعرف أهمية وقيمة هذا الموعد الجميل؟!، لذلك ستجد شيوعيي العراق - سواء من كان في التنظيم أو خارجه - يحتفلون بميلاد حزبهم أينما حلوا  وأينما كانوا، ولا يوقفهم عن ممارسة هذا الطقس كل المعوقات والعراقيل مهما كانت ..

انتظرني صديقي حتى انتهيت من كلامي، ثم قال:

أرد أن أسألك - إن كنت تتذكر -أول احتفال شيوعي حضرته في حياتك؟ 

قلت له : نعم أتذكر ذلك، ولا يمكن لي قطعاً نسيانه، كان ذلك الحفل في ليلة الحادي والثلاثين من آذار عام 1972 وقد دعاني لهذا الحفل صديقي الشاعر الكبير الراحل كريم العراقي، وأتذكر جيداً أن الحفل أقيم في بيت بسيط وفقير جداً يقع قرب السدة عند آخر قطاعات مدينة الثورة يعود لأحد العمال، وكان الحضور يتجاوز العشرين شخصاً .. ورغم أن الجو ممطر تلك الليلة، والقطرات تتساقط من سقف الغرفة، مما اضطر صاحب البيت إلى أن يضع (طشت) في وسط الغرفة الكبيرة التي فيها الاحتفال، ورغم كل ذلك فإن روعة تلك الحفلة لم تفارق مخيلتي أبداً.. واتذكر أيضاً أن كريم العراقي قرأ في تلك الحفلة قصيدة (حصاد الديرة)، وهي واحدة من روائع كريم العراقي الشعرية.. 

قاطعني صديقي قائلاً: وهل احتفلتم بمثل هذه الظروف الصعبة من قبل ؟

قلت: نعم لقد احتفلنا في ظروف ربما أشد قسوة من هذه الظروف.. فأنا شخصياً احتفلت في مولد الحزب وانا جندي في  الحرب، وكان معي في هذا الاحتفال ( الخطير) الشاعر الراحل كاظم إسماعيل الگاطع، والشاعر  جابر السوداني، الذي يتذكر الآن حتماً تلك الليلة التي احتفلنا فيها نحن الثلاثة قبل أربعين عاماً تقريباً في المعسكر وتحديداً في سيارة (البرقية العسكرية) الكبيرة التي كان الگاطع سائقها ومسؤولاً عنها . 

وفي منتصف التسعينيات احتفلت بميلاد الحزب أيضاً في عمان الغربة.. وكان معنا في تلك الحفلة الصغيرة رئيس اتحاد الأدباء الأسبق ناجح المعموري والشاعر الكبير كاظم الحجاج والقاص المعروف جاسم عاصي، والناقد عواد علي، والكاتب الكبير محمد مبارك ..

أما احلى الحفلات عندي، فتلك التي أقامتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي عام 1974 في جزيرة أم الخنازير ( جزيرة الأعراس حالياً)، تكريماً للشعراء والفنانين والصحفيين الذين ساهموا بأنشطة وفعاليات الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب، وقد كنت أحد الذين كرّمتهم قيادة الحزب مع زملائي الشعراء الشعبيين.

 كان الحفل عائلياً باهراً حضره سكرتير الحزب الأسبق الرفيق عزيز محمد، والرفيق عبد الرزاق الصافي والكاتب الكبير شمران الياسري والكاتبان زهير الجزائري وفالح عبد الحبار والكاتبة فاطمة المحسن، والشعراء سعدي يوسف ويوسف الصائغ والشاعر الفريد سمعان وعدد غير قليل من الشعراء الشعبيين والمطربين والممثلين والتشكيليين..

وأذكر وقتها أني كنت في أول العمر، رشيق الجسم، أنيق المظهر، طويل الشعر، وباختصار كنت أبدو أصغر من سني بكثير، بل أبدو صبياً في بدء صباه.. لذلك حدث لي موقف لن أنساه، حيث رقصنا جميعاً في تلك الحفلة الساهرة على أنغام اغنيات قدمها الفنانون الراحلون فؤاد سالم وكوكب حمزة وجعفر حسن، وفي واحدة من تلك الأغاني جمعتني الصدفة برقصة جماعية مع الفنانة الكبيرة ( زينب ) ضمن عشرات المشاركين أيضاً.. وزينب كما يعرفها من عاصرها امرأة شعبية، خفيفة الظل حلوة المعشر طيبة وصاحبة نكتة دائمة.. نظرت لي زينب بعمق، ولاحظت خجلي وارتباكي، ولأنها لم تكن تعرف أني شاعر أو فنان، إنما اعتقدت وقتها أني أحد أفراد الأسر الشيوعية المدعوة للحفل.. اقتربت مني، وقالت لي : إنت ويامن جاي للحفل؟

فكتمت ضحكتي وأشرت لها على الفنانة زكية خليفة التي كانت قريبة منا، وقلت لها: ( آني جاي ويه خالتي زكية )!! .. فسكتت ولم تعلق، وأغلب الظن أنها صدقت إدعائي ذاك .. وبعد ساعة جرت مراسيم تكريم المبدعين، فنودي على اسمي مسبوقاً بصفة الشاعر المبدع.. وحين استلمت شهادة التكريم، و عدت من المنصة لأجلس في مكاني، تعمدت أن أمر من طاولة زينب لارى ردة فعلها، لكنها مسكتني من يدي وهي تضحك وتقول بصوت خافت: ملعون، جاي ويه خالتك زكية ها ؟!