مليوصة يحسين الصافي

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

سألني سكرتير التحرير إن كان لدي مقال افتتاحي لعدد يوم غد، بخاصة وأني معتاد على نشر مقال افتتاحي في يوم الخميس .

لم أعطه الجواب ليبلغ به مصمم الصفحة الاولى كما اعتدت دائماً، إنما طلبت منه الإنتظار لوهلة قصيرة لأرى المشهد العام بوضوح، ثم التقط الثيمة المناسبة لكتابة مقال يصلح أن يكون افتتاحية لجريدة مثل جريدة ( الحقيقة) التي ينظر اليها الكثير من القراء بعين الاهتمام والاحترام ..

ولا أخفي عليكم، فقد وجدت في البدء صعوبة في اختيار الموضوع المناسب لمقال افتتاحي، لاسيما وأن المشهد العراقي كما بدا لي ضبابي، غير واضح المعالم، ولي الحق في ذلك، فحين تكون الصورة مشوشة، وغير واضحة أمام كبار المسؤولين في الدولة العراقية، فإنها ستكون حتماً مضببة أمامي وأمام بقية المواطنين العراقيين، بخاصة وأني بعيد عن المشهد بآلاف الأميال؟!

قطع سكرتير التحرير عليّ ( صفنتي) وقال: أعتقد أن ثمة مواقف كثيرة، وأحداثاً ووقائع مهمة تستحق أن تكتب عنها مقالات وليس مقالاً واحداً فقط.. 

قلت له: نعم هناك أحداث

كبيرة، وكثيرة، تستحق الكتابة عنها، ولا مشكلة عندي في ذلك قطعاً.. لكن المشكلة تكمن في اختلاط الألوان، حتى بات المشهد العام رمادياً تماماً، فلا الأسود تراه أسود، ولا الأبيض أبيض، ولا بقية الألوان تراها بألوانها أبداً .. والمشكلة تكمن كذلك في تداخل الصور، حتى غدت الصورة أقرب للسريالية التي يعجز عن فهمها حتى أعلام السريالية كسلفادور دالي و بيكاسو وغيرهما !!

والمصيبة يا زميلي ليست في عدم وجود ما يستحق الكتابة عنه، إنما في عدم وضوح الذي تكتب عنه.. فثمة اشتباك وخلبصة معقدة في خيوط الوقائع، بحيث يصعب التمييز بين الحابل والنابل، والتفريق بين صديقك وعدوك، أو بين حليفك وخصمك، فلا تعرف من الذي يقف معك في معركتك، ومن يقف ضدك، بل أنك لا تعرف حتى طبيعة المعركة، ولا  أسبابها أو  أهدافها.. !

قاطعني سكرتير التحرير مرة ثانية، وقال لي ضاحكاً : تريد الصدگ ابو حسون.. إنت سويتها عليّ ظلمة، وكل شي ما افتهمت منك؟

ضحكت لسؤاله، وقلت له: المصيبة يازميلي.. آني أيضاً مثلك ما مفتهم كل شي  ..!

 قال: شلون ؟

قلت له: الأمور متداخلة، ويصعب إدراكها بيسر، لذلك دعنا نترك واقع الحال العراقي.. ونذهب لبقية الأقطاب والعناصر الرئيسة في المشهد الحالي لكي تتضح الصورة أمامنا .. فمثلاً إيران التي أُغتيل زعيمها ومرشدها الأعلى، اختارت زعيماً جديداً ( مرشداً ) خلال 72 ساعة فقط، رغم شدة الصواريخ والطائرات ونار القنابل.. بمعنى أن لإيران في هذه الساعة، زعيماً او قائداً او سمّه ما شئت.. وفي امريكا يوجد أيضاً رئيس دولة، وفي الكيان الصهيوني رئيس وزراء يتمتع بصلاحيات كاملة، والشيء نفسه ستجده في جميع بلدان الخليج - التي أُجبرت على المشاركة في هذه الحرب رغماً عن أنفها  -إلا العراق فهو البلد الوحيد الذي تدار دولته بدون حكومة حقيقية، ولا رئيس حكومة أصلي يتمتع بكامل ومطلق الصلاحيات التي تمنحه القوة والتأهيل لخوض مثل هذه الكارثة .. ولا أريد أن أخوض بأسباب عدم انتخاب رئيس الوزراء، 

حتى هذه اللحظة لأنك حتماً تعرف هذه الأسباب .

وأكملت حديثي له قائلاً : 

المشكلة العويصة يا أخي ليست في هذه النقطة رغم أهميتها، إنما أيضاً في أن العراق هو البلد الوحيد بين جميع المبتلين بالحرب الحالية لا يعرف من الذي يضربه، ولا يعرف إلى من يوجّه ضربته لو أراد أن يضرب ..!

قال: كيف ؟

قلت له: سأوضح لك ذلك، فمثلاً إيران تعرف من هو خصمها، ومن يضربها ويقصفها، و امريكا والكيان الصهيوني تعرفان كذلك من عدوهما، ومن الذي يوجّه النار لقواعدهما، وبلدان الخليج تعرف هي الأخرى مصدر الصواريخ الموجهة اليها، والشيء نفسه يقال عن بقية العناصر والمكونات المبتلية بهذه الحرب، إلا العراق، فهو البلد الوحيد الذي يتعرض للضرب والقصف من قبل جميع المتحاربين، بل ومن كل الجهات أيضاً، رغم أن هذه الحرب ليست حربه طبعاً، ولا ناقة له فيها ولا جمل ولا بغل حتى.. 

تصور يا زميلي أن الجارة ايران تقصف أرض العراق، وأمريكا والكيان الصهيونى يقصفان أرض العراق، وتركيا تقصف العراق كذلك

والفصائل العراقية تقصف أراضي ومواقع عراقية أيضاً.

وكل جهة من هذه الجهات القاصفة لها هدفها الذي تسعى لتحقيقه في العراق، فهذه تقصف القائم وجرف الصخر والعرصات والأنبار، وتلك تقصف مطار أربيل والسليمانية ومطار بغداد، وأخرى تقصف مقر جهاز المخابرات العراقية، والرابعة تقصف مواقع كردية معارضة لها في أعالي جبال كردستان، وهكذا يواصل بقية القوم، فالجميع يقصف هدفه في العراق وله مبرراته طبعاً، بينما حكومتنا التي لا حول لها ولا قوة، عاجزة لا تملك غير الإدانة والاستنكار وتشييع جثامين الشهداء الأبرار- وماذا بوسعها أن تفعل أكثر من ذلك وهي بلا مخالب ولا أظافر حتى؟! 

تنهّد زميلي سكرتير التحرير وقال: يعني مليوصة علينا؟ قلت ضاحكاً: نعم هي  مليوصة يحسين الصافي؟

قال: هاي شنو خويه مال حسين الصافي؟

قلت: لهذه الأهزوجة قصة تعود إلى فترة فيضان كان قد غمر أراضي محافظة الديوانية قبل عشرات السنين، وتسبب في فوضى ودمار شامل للزراعة والمزارعين.. ورغم فقدان محاصيلهم الزراعية وضياع كل ما يملكون، ورغم الأسى وشدة الألم، فإن الفلاحين الجنوبيين لم يتخلوا عن طبيعتهم الفكهة، اللاذعة، فاستقبلوا متصرف - محافظ - الديوانية، السيد حسين الصافي عندما زارهم متفقداً المنطقة، بهذه الأهزوجة التي تعني الفوضى والتخبط، واختلاط الأمور، وفي الوقت ذاته تعني الاستغاثة، والوصف الدقيق للوضع المتأزم، وهي برأيي تعبر تعبيراً دقيقاً عن سوء حالهم، وخروج الأمور من أيديهم، وصعوبة السيطرة على المياه التي دمرت كل شيء فلم يجدوا أقوى من كلمة ( مليوصة ) يوصفون به وضعهم وقتها.. حتى غدت هذه الأهزوجة مثالاً يضرب في اختلاط الأمور وتداخل المواقع والأحداث والصور.  صمت زميلي لحظة، ثم قال لي: لماذا لا تجعل من هذه المحادثة مقالاً افتتاحياً ؟!

قلت: أي محادثة؟

قال: أقصد هذه المحادثة التي تجري بيني وبينك الآن.

قلت له بلهجة فيها بعض المزاح والهزل المصطنع : لنفترض أني اقتنعت بما اقترحته، وجعلت من هذه المحادثة مقالاً افتتاحياً، فماذا سأسمي هذا المقال.

قاطعني سكرتير التحرير قائلاً: سَمِّ المقال: (مليوصة يحسين الصافي)!!