بغداد- العراق اليوم:
افتتاحية جريدة الحقيقة
فالح حسون الدراجي
أمس، سألني أحد الزملاء الإعلاميين - من الذين يتعاطفون مع النظام البعثي السابق - عن رأيي بحالة الفساد المتفشية في أوصال الدولة العراقية، وطلب رأيي إن كنت أعترف بذلك أم لا ؟! وطبعاً فقد كان جوابي الإقرار والتأييد التام بوجود الفساد، بل وقد زدت على ذلك بقولي: إن الفساد كبير وأكبر من الظاهر على الشاشة، كما أنه لم يقتصر على موقع معين أو ميدان محدد، إنما وصل إلى أعمق مستويات الدولة .. لكن زميلي لم يكتف بهذا الجواب، فراح يمطرني بعدة أسئلة، شممت فيها رائحة نكدية، وقصدية، بعيدة عن الموضوع.. بعضها حمل تلميحاً ودساً وكراهة للنظام السياسي الجديد، بجوهره، وشكله ووجوده وأصله وفصله وألفه ويائه.. كما شعرت أنه يحاول بطريقة وأخرى تحميلي إسقاطات النظام، وكأني مسؤول عنه وعن مفاسده. وقبل أن أعلق على أسئلته، طرح سؤالاً آخر قال فيه: إلى أيّ موقع وصل الفساد، هل برأيك بلغ القمة مثلاً ؟! قلت له ضاحكاً - وأنا أعرف ( وين يدگ ) وماذا يقصد : تتدلل أبو حمودي؟! أولاً، إذا كنت تقصد قمة الهرم الحكومي، فأنا لست مطلعاً على أرصدة رجال القمة، ولا مسؤولاً عن حسابات الدولة المالية، كي أعرف من الفاسد في الطبقة العليا ومن النزيه ! إن مثل هذه الامور كما تعلم من اختصاصات هيئة النزاهة العراقية فقط، وأنا -استناداً إلى معرفتي بهذه الهيئة، وعبر تواصلي الإعلامي مع مكتبها الإعلامي- أثق تماماً بأداء ( النزاهة )، ومنجزها، وما تعلنه من ارقام دقيقة.. ولو تابعت بعض بيانات هذه الهيئة، لوجدت كم ( صماخ وصماخ ) وقع في مكامنها المتربصة للفساد، وكم كشفت لنا عن أسماء لوزراء ووكلاء ومديرين عامين فاسدين، وكم أطاحت بأعداد من النواب، ورجال الأعمال، وقيادات من الجيش والشرطة والحشد، ومن حيتان في أجهزة الدولة وبنوگ المال.. لقد ساقت هيئة النزاهة مئات المسؤولين إلى ساحات القضاء بتهم الفساد والرشوة، وصدرت بحقهم أحكام كثيرة .. لذا يمكنك متابعة بيانات هيئة النزاهة، ومعرفة ما تريد معرفته عن هذا المسؤول او ذاك، فعند جهينة الخبر اليقين وليس عندي ! بعد جوابي هذا، شعرت أن زميلي هدأ و ( استراح ) قليلاً، لكنه عاد ثانيةً ليقول: - زين ليش بالنظام السابق ماكان أكو فساد.. ؟ قلت له: منو گال لك ماكو فساد بذاك النظام ؟ لقد كان الفساد واسعاً وكبيراً ومنتشراً في أغلب مؤسسات الجيش والشرطة والبلدية والتقاعد والعقاري والصحة وغير ذلك من مؤسسات الدولة. لكن هناك أسباباً عديدة قد منعت افتضاح أمر الفساد في ذلك الوقت، من بينها سيطرة الدولة على جميع وسائل الإعلام، وعدم وجود وسائل التواصل الاجتماعي والسوشل ميديا آنذاك كي تكشف وتصور وتنشر صور الفساد كما هو الحال هذه الأيام، فضلاً عن أن غالبية الأموال والموارد الوطنية كانت محصورة بيد صدام حسين وعائلته وأقربائه، ومستحيل ( تطفر لحمة وحدة من جدرهم ) ..! ثم أكملت حديثي : كما لا تنس يا صاحبي، أن الأموال والموارد لم تكن آنذاك كبيرة كما هي اليوم، فقد كان سعر برميل النفط الذي يبيعه العراق في الأسواق العالمية لا يتجاوز الخمسة عشر دولاراً، وفي بعض السنين يهبط إلى أقل من عشرة دولارات.. أما ميزانية العراق السنوية فلم تكن تتجاوز المليارات الأربعة.. يعني خمطة من خمطات البطل نور زهير تعادل ميزانية العراق لسبعين عاماً !! صمت زميلي لحظة ثم قال لي: إذا كانت هيئة النزاهة بهذا المستوى وهذا الأداء، ولها منجزات كبيرة وكثيرة كما تقول، فلماذا وكيف وصل الفساد إلى هذه الدرجة المخيفة؟ قلت له: لأن هيئة النزاهة لا تملك عصا سحرية تغير بها الواقع بلمسة، وتزيل أثر الفساد بضربة عصا كتلك العصا السحرية التي جاءت في أساطير ( هوميروس )، ولا هي تملك جيوشاً رقابية، وأقماراً صناعية، وطائرات تجسسية لمتابعة أنشطة المسؤولين، ولا تملك حتى صلاحيات وحرية القضاء، فهي أولاً وأخيراً جزء من منظومة القضاء العراقي، لا تستطيع سجن او اعتقال أي شخص دون أوامر قضائية معروفة. ورغم ذلك، فقد حققت هذه الهيئة أرقاماً عالية، ومنجزات إعجازية فذة.. وللحق، فإن أداء هيئة النزاهة الباهر، ليس وليد اليوم، ولا محصوراً بالهيئة الحالية، إنما هي في إبداع دائم وعطاء متواصل منذ تأسيسها حتى هذه الساعة. لكن وللإنصاف فإن الهيئة الحالية بإدارتها، ورئيسها، وجنودها المجهولين، وأدائها المتزن الهادئ جداً، حققت تميزاً كبيراً عما سبقها، ويشهد في ذلك منجزها الثر.. قاطعني زميلي ابو احمد، وهو يقول: هل لديك بعض ما يؤكد كلامك هذا حول أداء هيئة النزاهة العراقية؟ قلت: نعم، ولن أذهب بك إلى ماهو بعيد. فتحت يدي تقرير أرسله لي قبل قليل مدير المكتب الإعلامي للهيئة، وفيه يسطع بالأرقام التقدم الكبير الذي حققه العراق عبر تقرير مؤشر مدركات الفساد.. حيث سجَّل العراق تقدُّماً في تقرير مُؤشّر مُدركات الفساد الذي تصدره مُنظَّمة الشفافيَّة الدوليَّة، فقد ارتفعت درجته لأول مرة إلى (٢٨) درجة، متقدِّماً أربع مراتب، في خطوةٍ تعكس تصاعد وتيرة الإصلاحات والجهود الوطنيَّة في مجال النزاهة ومكافحة الفساد. أراد أبو احمد أن يقاطعني، لكني حاولت استكمال ما ورد في التقرير قائلاً: إن هذا ليس كلامي إنما كلام الهيئات الدولية المسؤولة. حيث يعزون سبب التقدم إلى جملة من الإجراءات الحكوميَّة والقضائيَّة المُتواصلة، وجهود الأجهزة الرقابيَّة بتسهيل الإجراءات داخل الدوائر الخدميَّة، وتقليل فرص الاحتكاك المباشر بين الموظَّف والمراجع، إضافة إلى تنفيذ الاستراتيجيَّة الوطنيَّة للنزاهة ومكافحة الفساد، ناهيك من الإجراءات المتسارعة في مجال التحوُّل الرقمي والحوكمة الإلكترونيَّة، وكل هذا يحصل بجهود هذه الهيئة.. وهنا يجب أن لا نغفل التزام العراق بالاتفاقيَّات الدوليَّة والإقليميَّة لمكافحة الفساد، وتوسيع الشراكة مع القطاع الخاصّ والمجتمع المدنيّ، وإشراك الشباب والمرأة في جهود النزاهة.. وقطعاً فإن هذا التقدُّم يؤكد على أنَّ العراق ماضٍ بخطواتٍ ثابتةٍ نحو تحسين موقعه الدوليّ، وترسيخ ثقة المجتمع الدوليّ بجهوده في مكافحة الفساد وبناء مؤسَّساتٍ أكثر شفافيَّةً وكفاءة. وما تعاون وتنسيق هيئة النزاهة مع مُنظَّمة الشفافية الدوليَّة، إلا من أجل السعي للتقدُّم في مُؤشّر مُدركات الفساد الذي تصدره المُنظَّمة، وكان آخر تلك المساعي ذلك اللقاء الذي جمع رئيس الوفد العراقيّ إلى مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقيَّة الأمم المُتَّحدة لمُكافحة الفساد الدكتور محمد علي اللامي، برئيس مُنظَّمة الشفافية الدولية (فرانسوا فاليريان) في العاصمة القطرية الدوحة. وقبل أن أختتم حديثي معه قلت للزميل أبو أحمد: هل تصدق أن العراق رغم ركام وخراب الفاسدين و( ضجة الفساد) التي تثار حوله في كل حدب وصوب، ورغم الغطاء السياسي والنيابي الثقيل والسميك الذي يتستر به الفاسدون، وما يتركه هؤلاء المجرمون في بنية واقتصاد العراق من دمار، تجد بالمقابل رجالاً مجهولين في هيئة النزاهة العراقية، يعملون بصمت وشجاعة وصبر عجيب، تمكنوا من تحسين سمعة البلد في المحافل الدولية خلال فترة محدودة جداً، ونجحوا برفع النسبة 28 درجة، والتقدم أربع مراتب، وهي أرقام تكاد تكون اليوم مستحيلة. في عالم الأرقام؟ توقفت عن قراءة التقرير، وقلت له: الو أبو حمودي وين وصلت، وين صرت ؟ قال: والله آني عندي سؤال واحد: أذا كان هذا الكلام صحيح، لعد هذا الفساد شنو ..وليش ما تقضي عليه هيئة النزاهة بشكل نهائي؟ قلت له: لأن ( الشگ چبير، أكبر من الرگعة) يا أبو احمد ..
*
اضافة التعليق
وداعاً شاعر البريسم
حين يسقط ( النصر ) في وحل العار .. انقلاب 8 شباط أنموذجاً دامغاً ..!
هل لإيران علاقة بتفجير قنبلة جزيرة ( أبستين ).. وما هو دور الموساد في هذه العملية ...؟!
الخلاف في ( الإطار) يفسد للود ألف قضية
طرگاعة لفت ترامب ..!
( حية ) داعش .. و ( حبل ) الجولاني ..!