بغداد- العراق اليوم: أعلنت اليابان قبل أيام عن استخراج رواسب تحتوي على عناصر أرضية نادرة وذلك من عمق 6 آلاف متر، خلال مهمة استكشافية في البحر سعت عبرها لتقليل اعتمادها على الصين في استيراد المعادن الاستراتيجية.
وتسعى الدول اليوم إلى البحث عن المعادن النادرة باعتبارها كنوزًا اقتصادية واعدة، لما أثبتته بالفعل في عدد من التجارب من قدرتها على إحداث تحولات جوهرية في اقتصادات الدول المصدّرة لها، حتى غدت بمثابة بوابة للثروة ومصدرًا للنفوذ على الساحة العالمية.
ما هي المعادن النادرة؟
وتتكوّن المعادن النادرة من 17 عنصرًا كيميائيًا، تشمل عناصر اللانثانيدات، إضافةً إلى السكانديوم والإيتريوم. وعلى الرغم من أنها ليست نادرة فعليًا في القشرة الأرضية، فإن صعوبة استخراجها وفصلها وتكريرها تمنحها طابعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
وتُعدّ هذه العناصر مكوّنًا أساسيًا في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية، من بينها صناعة السيارات، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية، والدفاع، وغيرها، إذ تدخل في تصنيع المغناطيسات القوية، والمحفّزات، والمكوّنات الإلكترونية. ومن ثمّ، باتت هذه المعادن اليوم عاملًا حاسمًا في تشكيل ملامح القوة العالمية، وأضحت بمثابة العمود الفقري الخفي للاقتصادات الحديثة. هيمنة صينية هذا التحول الاقتصادي الكبير الذي أحدثته المعادن النادرة يظهر فى أوضح صوره فى الصين. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أدركت بكين أن المعادن الأرضية النادرة بوابة للنفوذ الصناعي. وبدلاً من الاكتفاء بالاستخراج، استثمرت الصين بكثافة في التكرير والمعالجة والتصنيع اللاحق.
واليوم، تتمتع الصين بهيمنة شبه كاملة على سلاسل التوريد العالمية، لا سيما في مجال المعالجة، حيث تسيطر على الغالبية العظمى من الطاقة الإنتاجية.
ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، تستحوذ الصين على الغالبية العظمى من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة، وفي مقدمته الغرافيت عالي النقاء، والكوبالت والليثيوم.
وقد مكّنها هذا الموقع من استقطاب الصناعات عالية التقنية، والتأثير على الأسعار العالمية، واستخدام صادرات المعادن الأرضية النادرة كأداة جيوسياسية.
أستراليا.. نموذج مختلف وفى حين حولت المعادن النادرة الصين الى قوة تكنولوجية عظمى، فإن أستراليا تقدم نموذجًا مختلفًا، لكنه لا يقل أهمية. وبحسب تقرير لجامعة التكنولوجيا بسيدني، فإن البلاد هي ثاني أكبر منتج للمعادن النادرة في العالم.
وقد استخدمت أستراليا المعادن النادرة لتعزيز اقتصادها القائم على الموارد وتنويعه. وتُكمل صادرات العناصر الأرضية النادرة صادرات خام الحديد والفحم والليثيوم، في حين ركزت السياسة الحكومية بشكل متزايد على بناء قدرات المعالجة وتأمين شراكات مع الولايات المتحدة واليابان وأوروبا.
ولا يقتصر العائد الاقتصادي على زيادة عائدات التصدير فحسب، بل يشمل أيضًا خلق وظائف تتطلب مهارات عالية.
وبرزت أستراليا كمورد موثوق به لاسيما لدى الغرب الذي يتوق إلى تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين.
ماليزيا.. دولة واعدة على خريطة المعادن النادرة وفي أماكن أخرى، كانت فوائد صادرات العناصر الأرضية النادرة أقل تميزا. فماليزيا، على سبيل المثال، استغلت دورها كمركز للمعالجة بدلًا من كونها دولة تعدين رئيسية.
ونقل تقرير رسمي سابق نشرته هيئة تنمية الاستثمار الماليزية (MIDA) أن الحكومة تسعى إلى تطوير صناعة العناصر الأرضية النادرة بشكل متوازن يشمل مرحلتي المنبع والمصب لتلبية احتياجات الصناعة.
وأوضح أن الخطة الحكومية تتضمن إنشاء مصنعين للمعالجة خلال ثلاث سنوات، مع تشجيع الاستثمارات الأجنبية، خصوصًا من الدول المتقدمة مثل اليابان، لنقل التكنولوجيا والخبرات.
وأشار إلى أن حظر تصدير العناصر غير المعالجة يهدف إلى تعظيم العائدات. وقد أدى استضافة مرافق تكرير متطورة إلى نقل التكنولوجيا والخبرات الهندسية، فضلًا عن آثار صناعية إيجابية غير مباشرة. لكن تجربة ماليزيا تشير الى القيمة الحقيقية التى لا تكمن في استخراج المعادن من باطن الأرض، بل في معالجتها ودمجها في النظم الصناعية.
ظروف صعبة في ميانمار في المقابل، تُسلط ميانمار الضوء على المخاطر التي تواجه الدول الأضعف. ويشير تقرير حكومي أمريكي صادر عن مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة (USTR) إلى أن استخراج العناصر الأرضية النادرة في ميانمار يتم في ظروف تجعل من الصعب فرض الرقابة الفعّالة والضوابط البيئية ومعايير العمل اللائق.
ويوضح التقرير أن عائدات بملايين الدولارات الناتجة عن هذا النشاط يُعتقد أنها تذهب إلى ميليشيات مرتبطة بالنظام العسكري، بدلًا من أن تدخل الخزانة الوطنية، ما يعكس ضعف المكاسب الاقتصادية الرسمية طويلة الأجل رغم تحقيق عائدات تصدير.
ومن ثم، فقد أدى الارتفاع الكبير في تعدين العناصر الأرضية النادرة - الذي يُعدّ معظمه غير رسمي ومُدمرًا للبيئة - إلى توليد عملات أجنبية وفرص عمل، لكن بمكاسب محدودة طويلة الأجل للاقتصاد الوطني.
وقد أدى ضعف التنظيم وسوء تحصيل الإيرادات إلى هشاشة المكاسب الاقتصادية، بينما تستمر التكاليف البيئية. وبحسب المحللين، فإنها حالة نموذجية لكيفية تعميق المعادن الاستراتيجية للضعف بدلًا من إحداث تغيير جذري.
وبالنظر إلى المستقبل، ترى الدول المُصدّرة الناشئة، مثل ناميبيا، في العناصر الأرضية النادرة بوابةً للاندماج مع سلاسل إمداد الطاقة النظيفة والدفاع. بالنسبة لهذه الدول، تُبشّر هذه المعادن باستثمارات في البنية التحتية، وتنمية المهارات، وشراكات صناعية طويلة الأجل - إذا ما أُديرت بشكل جيد.
إمكانات هائلة في أمريكا اللاتينية تمتلك أمريكا اللاتينية إمكانات هائلة في المعادن النادرة. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن أمريكا اللاتينية تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الحيوية، حيث يقع “مثلث الليثيوم” بين الأرجنتين وتشيلي وبوليفيا، ويشكّل نحو 68% من احتياطيات الليثيوم العالمية، إضافةً إلى 40% من احتياطيات النحاس ومعادن استراتيجية أخرى.
كما تُعد البرازيل غنية باحتياطيات العناصر الأرضية النادرة، بما في ذلك النيكل والمنغنيز، مما يجعل المنطقة مركزًا استراتيجيًا مهمًا في سلاسل التوريد العالمية.
وكانت الاستثمارات في المعادن النادرة سبيلا أساسيا لروابط قوية بين الصين ودول القارة. وتوسع الصين تعاونها مع دول أمريكا اللاتينية للاستفادة من احتياطيات المعادن الاستراتيجية مثل العناصر الأرضية النادرة والليثيوم والنحاس في المنطقة، كجزء من سعيها لتعزيز سلاسل التوريد وضمان الإمدادات الحيوية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة.
فقد جذبت مشاريع التعدين والموارد في البرازيل اهتمام المستثمرين الصينيين إلى جانب غربيين، مع توجهات بكين نحو تأمين الموارد الثقيلة الضرورية للسيارات الكهربائية والإلكترونيات عالية التقنية. ويأتي هذا التعاون في سياق تنافس عالمي واسع مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي للسيطرة على مصادر المعادن الحيوية.
*
اضافة التعليق
مختص اقتصادي: نظام الأسيكودا والتعرفة الكمركية حماية للاقتصاد ورعاية للمستهلك
النفط توضح حقيقة وجود أزمة بنزين في العراق
العراق ضمن الدول الأرخص عالميًا في أسعار البنزين وتحذيرات من تداعيات اقتصادية
تحذير من البنك المركزي الأوروبي بشأن اليورو
العراق يعتزم رفع مستوى إنتاجه النفطي من حقول الجنوب
مستشار الحكومة يؤكد تأمين الرواتب بشكل تام