مختص اقتصادي: نظام الأسيكودا والتعرفة الكمركية حماية للاقتصاد ورعاية للمستهلك

بغداد- العراق اليوم:

تتصاعد في الآونة الأخيرة نقاشات واسعة حول تطبيق نظام الأسيكودا والتعديلات المتعلقة بالتعرفة الكمركية، وسط تباين في الآراء بين مؤيد يرى فيه خطوة إصلاحية ضرورية، ومعارض يخشى انعكاساته على الأسعار وحياة المواطنين.

 وفي هذا السياق، قدم مختص اقتصادي مجموعة من الملاحظات والتحليلات لتوضيح بعض ما يُتداول بشأن هذا النظام وتأثيراته الحقيقية على الاقتصاد الوطني.

التعرفة الكمركية بين التاجر والمواطن

يؤكد المختص أن القول بأن رفع نسبة التعرفة الكمركية يؤثر على التجار وعلى عموم المواطنين يحتاج إلى قراءة متأنية. 

فالتاجر، بحكم طبيعة عمله، يسعى إلى الربح، ومن الطبيعي أن يقوم بتحميل أي زيادة في كلف الاستيراد على المستهلك النهائي. 

لكن المفارقة أن انخفاض الكلف لا ينعكس بالسرعة نفسها على أسعار البيع، وقد يستغرق وقتاً طويلاً حتى يصل أثره إلى المواطن، إن وصل أصلاً. لذلك، لا ينبغي تصوير مطالب بعض التجار على أنها تمثل بالضرورة مصالح جميع المواطنين.

ويشير إلى أن العلاقة بين المواطن والتعرفة الكمركية ليست بسيطة أو ذات اتجاه واحد؛ فمن جهة قد تسهم التعرفة في رفع أسعار بعض السلع، لكنها من جهة أخرى تحقق فوائد عامة كبيرة، منها حماية المنتجات المحلية الزراعية والصناعية التي توفر ملايين فرص العمل، إضافة إلى زيادة إيرادات الدولة بما يمكنها من دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، وهم شريحة واسعة من المجتمع العراقي. 

كما أن صرف الرواتب يحرك عجلة الاقتصاد ويعود بالنفع على جميع القطاعات، بما فيها قطاع التجارة نفسه.

ويحذر المختص من أن غياب الإصلاحات الاقتصادية قد يؤدي في حال حدوث أزمة مالية – لا سمح الله – إلى ضعف القدرة الشرائية للمواطن وانكماش السوق وتراجع النشاط التجاري بشكل كامل، ما يضر بالجميع دون استثناء. 

ومن هنا تأتي قرارات تنظيم التجارة الخارجية وفرض التعرفة الكمركية ضمن سياسة شاملة تراعي المصلحة العامة، وليس مصالح فئة محددة.

حقيقة التعرفة على المواد الغذائية

ومن بين أبرز ما يُتداول، القول إن المواد الغذائية في معظم دول العالم التي تطبق نظام الأسيكودا تخضع لتعرفة وضرائب صفرية، بينما ارتفعت في العراق من 1% إلى نسب تتراوح بين 5% و30%. 



ويرى المختص أن هذا الطرح بعيد عن الواقع، إذ إن غالبية دول العالم تفرض رسوماً كمركية على المواد الغذائية، حتى في الدول التي تعتمد نظام الأسيكودا، وتتراوح النسب عادة بين 5% و20% للمواد غير المحمية محلياً، وقد تتجاوز 100% على المنتجات التي تحظى بحماية إنتاجية داخلية.

ويضيف أن التعرفة الجديدة المعتمدة في العراق على معظم المواد الغذائية تبلغ نحو 5%، وهي من أدنى النسب عالمياً. كما يشير إلى أن القول إن العامل الفقير يعيش على سلع مستوردة مثل التونة والسردين مبالغة، فهناك بدائل محلية أكثر جودة وأقل سعراً وأكثر انسجاماً مع العادات الغذائية العراقية.

وبحسب المختص، فإن أسعار المواد الغذائية في العراق ما تزال دون المتوسط مقارنة بدول المنطقة، وتُعد مقبولة عالمياً ومتناسقة مع مستويات دخل الفرد.

أسعار الأجهزة الذكية ومثال “آيفون”

وفيما يتعلق بالمقارنة التي تُطرح حول أسعار أجهزة الهواتف الذكية، مثل القول إن سعر هاتف “آيفون 17” عالميّاً يتراوح بين 1200 و1250 دولاراً وسيصل في العراق إلى 1800 دولار بعد التعرفة، يؤكد المختص أن هذه المعلومات غير دقيقة. 

فأسعار أجهزة “آيفون” تختلف رسمياً من دولة إلى أخرى بحسب سياسة التسعير المعتمدة من الشركة، ولا يوجد سعر موحد لجميع البلدان.

كما أن الفروقات السعرية بين الدول لا تعود فقط إلى التعرفة الكمركية، بل تشمل أيضاً الضرائب المختلفة التي قد تتراوح بين 5% وأكثر من 100% حسب البلد. ففي أوروبا مثلاً يكون السعر الأساسي أعلى، ثم تضاف إليه التعرفة الكمركية وضريبة القيمة المضافة (VAT)، ليصبح السعر النهائي أعلى بكثير مما هو عليه في العراق.

ويشير المختص إلى أن الأجهزة الذكية الحديثة تُعد من السلع الكمالية التي يقتنيها أصحاب الدخول المتوسطة والعليا، وليس الفئات الفقيرة، ولذلك فإن فرض تعرفة أعلى عليها يُعد أمراً مناسباً لتخفيف العبء عن السلع الأساسية، ودعم الاقتصاد، وتقليل الضغط على الفئات محدودة الدخل.

غياب ضريبة القيمة المضافة في العراق

ويبيّن المختص أن العراق لا يفرض ضريبة قيمة مضافة أو ضريبة مشتريات على السلع، في حين أن معظم دول العالم، بما في ذلك دول المنطقة ودول الخليج، تطبق مثل هذه الضرائب على السعر النهائي للمستهلك. لذلك فإن المقارنة العادلة يجب أن تأخذ في الحسبان جميع أنواع الرسوم والضرائب المفروضة حتى وصول السلعة إلى المستهلك، وليس التعرفة الكمركية وحدها. 

وبناءً على هذا المعيار، تبقى أسعار الكثير من السلع في العراق أقل من نظيراتها في دول عديدة.

التوازن بين حماية المنتج والمستهلك

ويشدد المختص على أن تحقيق التوازن بين حماية المنتج المحلي وحماية المستهلك أمر أساسي، وهو ما تسعى إليه الدولة من خلال تنظيم الاستيراد وفرض رسوم معقولة حسب نوع البضاعة.

 فحماية المستهلك لا تعني فتح باب الاستيراد دون ضوابط، بل تشمل أيضاً ضمان جودة السلع واعتدال أسعارها، ومنع تحول العراق إلى سوق استهلاكي مفتوح أو مكب للبضائع الرديئة.

الاتفاقيات التجارية وشروط الإعفاء

وفي ما يتعلق بالحديث عن الإعفاءات الجمركية ضمن الاتفاقيات الدولية، يوضح المختص أن الإعفاء لا يشمل كل ما يدخل العراق من دول عربية أو غيرها، بل يرتبط بشروط محددة، أهمها أن يكون المنشأ الحقيقي للسلعة من الدولة المصدّرة، وليس سلعة مستوردة ثم أُعيد تصديرها دون إضافة قيمة حقيقية.

أما ما يُقال عن وجود اتفاقات شاملة بين دول العالم تجعل البضائع تدخل بتعرفة صفرية، فيراه المختص طرحاً غير دقيق.

 فحتى داخل أوروبا توجد تصنيفات واتفاقات مختلفة تؤثر على التجارة البينية، وهناك رسوم بين بعض الدول في بعض الحالات، بما في ذلك على المواد الغذائية. 



كما أن الولايات المتحدة بدأت مؤخراً بفرض تعريفات مرتفعة على عدد من الدول، بما فيها دول أوروبية وكندا، ما يؤكد أن التجارة العالمية لا تخلو من القيود والرسوم.

 التعرفة أداة إصلاح اقتصادي

ويختتم المختص ملاحظاته بالتأكيد على ضرورة تغليب المصلحة الوطنية العليا ومصلحة الشعب العراقي على المصالح الخاصة. 

فالتجار – بحسب رأيه – لا يتضررون فعلياً من التعرفة لأنهم يضيفونها إلى سعر البضاعة، وحتى في حال إلغاء بعض القرارات، فإن التخفيضات لا تصل بالضرورة إلى المواطن.

ويؤكد أن التعرفة الكمركية تُعد أداة أساسية لتنظيم الاقتصاد والتجارة الخارجية، ودعم الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي، والحفاظ على العملة الصعبة داخل البلاد، وخلق فرص عمل، إضافة إلى حماية السوق من الاستهلاك المفرط.

كما أن السيطرة على المنافذ الحدودية وتطبيق الأنظمة الحديثة، ومنها نظام الأسيكودا، يُعد من أبرز الإصلاحات الاقتصادية التي طالبت بها الدراسات والخطط منذ سنوات طويلة. 

ومن الطبيعي أن يواجه أي إصلاح مقاومة من بعض المستفيدين من الوضع السابق أو من التغيير بحد ذاته، لكن ذلك لا يقلل من أهمية المضي في الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنظيماً وعدالة واستدامة.