محمد شياع السوداني ابن العمارة الذي عمر بغداد و جملها

بغداد- العراق اليوم:

رأي جريدة الحقيقة

بعد ظلام امتد لعقود طويلة، كانت بغداد مدينةً تُدار بالأزمات لا بالحلول، وتُستنزف بتركة ثقيلة من الإهمال وسوء الإدارة وتعطّل المشاريع. 

عاصمة أنهكتها الحروب والتجاذبات السياسية، حتى تحولت الخدمات فيها إلى عبء يومي، وفقد المواطن ثقته بقدرة الدولة على الإصلاح.

 في هذا السياق المعقد، جاء محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة وهو يدرك أن أي خطاب سياسي لن يكون كافياً ما لم يُترجم إلى فعل تنفيذي ملموس.

السوداني، ابن مدينة العمارة الجنوبية، لم يتعامل مع بغداد بوصفها رمزاً سياسياً فقط، بل كمدينة تحتاج إلى إدارة مباشرة تشبه إدارة المحافظات، تقوم على المتابعة اليومية وكسر حلقات التعطيل المزمنة. ومنذ الأشهر الأولى لحكومته، اتجه إلى فتح الملفات الثقيلة التي تراكمت لسنوات، وعلى رأسها المشاريع المتوقفة التي كانت شاهداً على فشل الحكومات السابقة أكثر مما كانت مشاريع تنمية حقيقية. 

إعادة تحريك هذه المشاريع لم تكن إنجازاً فنياً فحسب، بل قراراً سياسياً يضع الدولة في مواجهة إرث طويل من الفساد والتلكؤ.

في بغداد، انعكس هذا التوجه على ملفات البنى التحتية والخدمات الأساسية. 

صحيح أن الأزمات لم تُحل جذرياً، لكن ما تغير هو كسر منطق الجمود. 

فمشاريع الطرق والمجسرات وفك الاختناقات المرورية عادت إلى الواجهة، وشبكات الماء والمجاري بدأت تشهد معالجات تدريجية، خصوصاً في المناطق التي ظلت لسنوات خارج حسابات التخطيط. 

كما كان المشافي الحديثة و المدارس النموذجية، سمة واضحة في حكومة السوداني، كذلك التوسع السكني الرائع في مجمعات بغداد، و امتداد العمل إلى إنشاء مدن حضرية عصرية، فضلاً عن الانفتاح الواضح على قطاع الصناعة الوطنية، و تنظيم الاسواق، و الدفع نحو تطوير مطار بغداد الدولي، و التفكير الايجابي في إنشاء مطار دولي حديث، كذلك العمل شمل ايضا مرافق السياحة والآثار، و حتى شبكات الطرق الرابطة بين مناطق العاصمة و أطرافها، نالها من اهتمام حكومة السوداني الشيء الكثير، و الكثير من الخطوات و المساقات التي بدأتها الحكومة بقوة وتصميم و اعمار وتنمية، حتى بات من الصعب عليك التعرف على هذه المدينة التي كانت غارقة في الظلام والإهمال .

هي ملمة حق يجب أن نقولها بحق هذا الرجل الذي عمر بغداد وجملها، فهذه الخطوات، رغم الظروف الصعبة التي يمر بها البلد، وحجم مشاكل ( بغداد ) البنيوية، أعادت الإحساس بأن العاصمة لم تعد مدينة منسية داخل الدولة، بل هي اليوم عروسة المدن وأجملهن.

أزمةف الكهرباء مثلاً، التي شكلت لعقود اختباراً قاسياً لأي حكومة، شهدت تحسناً واضحاً في معدلات الإنتاج وساعات التجهيز، دون الادعاء بحل نهائي.. لكن الفارق هنا أن الحكومة تعاملت مع الملف بوصفه قضية إدارة واستثمار، لا مادة موسمية للاستهلاك السياسي.

 هذا النهج نفسه انسحب على بقية الخدمات، حيث جرى الانتقال من إدارة الأزمات إلى محاولة بناء مسار مستقر، حتى وإن كان بطيئاً.

على المستوى الإداري، سعى السوداني إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة المنضبطة، عبر متابعة الأداء التنفيذي، وتقييم المسؤولين، واتخاذ قرارات تصحيحية رادعة بحق المقصرين. 

لقد وضعت هذه المقاربة حكومته في مواجهة مراكز نفوذ اعتادت العمل بلا مساءلة، لكنها في الوقت ذاته أعادت بعض الثقة بجدية السلطة التنفيذية، وخصوصاً في بغداد التي عانت طويلاً من ضعف القرار وتداخل الصلاحيات.

اقتصادياً واجتماعياً، حاولت الحكومة موازنة البناء الخدمي بمعالجات تخفف الضغط عن الفئات الهشة، من خلال توسيع شبكات الحماية الاجتماعية وتحريك سوق العمل، إلى جانب خطوات لتعزيز الإيرادات غير النفطية وتنظيم الدفع الإلكتروني. 

هذه الإجراءات لا تمثل تحولاً اقتصادياً كاملاً، لكنها تعكس إدراكاً متزايداً بأن بناء المدينة لا يقتصر على الإسمنت، بل يشمل الإنسان الذي يعيش فيها.

ولا يمكن القول إن بغداد استعادت عافيتها الكاملة، فالتحديات المتراكمة أكبر من أن تُحل في فترة واحدة، والمدينة لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية عميقة، لذلك يتمنى البغداديون ولاية ثانية السوداني كي يكتمل على يديه جمال عاصمتهم. 

وهنا يجب أن نذكر بأن ما ميّز تجربة محمد شياع السوداني هو محاولته الانتقال من سياسة إدارة الوقت إلى سياسة إدارة الفعل، ومن منطق الوعود إلى منطق التنفيذ.

لقد بدأ السوداني بناء بغداد بوصفها مشروع دولة لا شعار حكومة، واضعاً أساساً مختلفاً لما يمكن أن تكون عليه العاصمة إذا ما استمر هذا النهج. 

وبين إنجازات تحققت وملفات ما زالت مفتوحة، تبقى الحقيقة الأبرز أن بغداد، للمرة الأولى منذ سنوات، لم تعد تنتظر الحلول… بل بدأت تتحرك نحوها.

هذا المنجز الفعلي لمحمد شياع السوداني لم يسبقه إليه أحد حتى اولئك الذي حكموا فيها من مواليد بغداد، بل إنه حفر و نقش اسمه كما نقش ابو جعفر المنصور اسمه، و كما خلد الزعيم عبد الكريم قاسم فعله شاهداً على الإخلاص والمتابعة والصدق والوفاء لمدينة التاريخ و الحضارة.

وكي ننصف الرجل فإنه لم يهمل مدن العراق الأخرى ويسقطه من حساباتها، لكنه أعطى لبغداد قصب السبق في الإعمار والتنمية، فهي العاصمة، والواجهة، ولها أول علامات التميز ..