( حية ) داعش .. و ( حبل ) الجولاني ..!

بغداد- العراق اليوم:

افتتاحية جريدة الحقيقة

فالح حسون الدراجي

لا يخفى على أي مواطن حتى لو لم يكن متابعاً للإعلام، ما يحدث هذه الأيام على الحدود العراقية السورية من حركة غير عادية واهتمام ونشاط غير مسبوق، سواء أكان هذا النشاط عسكرياً وأمنياً متمثلاً بتحريك قطعات عسكرية عراقية وألوية من الحشد الشعبي، أو بتحرك حكومي كثيف عبر زيارات لمسؤولين كبار في الدولة العراقية، كان من بينهم القائد العام للقوات المسلحة العراقية محمد شياع السوداني، الذي لم يكتف بزيارة الحدود السورية ومدينة سنجار الاستراتيجية، وتفقد قاعدة عين الأسد فحسب، إنما عقد هناك اجتماعاً مهماً لكبار القيادات العسكرية والأمنية العراقية، وتحديداً في مقر الفرقة السابعة للجيش العراقي، وهي الفرقة التي لعبت دوراً بارزاً في هزيمة تنظيم القاعدة في العام 2007 والتصدي لعصابات داعش طيلة السنوات الماضية .. كما أن  الرئيس محمد شياع السوداني أجرى اتصالاً هاتفياً مهماً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، ومع بعض زعماء الدول المعنية بالإرهاب.. وقد ازداد الإهتمام بهذا الشأن برأيي بعد قرار العراق بالموافقة على تسلم حوالي سبعة آلاف داعشي بعضهم يحمل الجنسية العراقية، والبعض الآخر  ينتمي إلى دول وجنسيات أخرى.

ويجب الإعتراف هنا بأن سبب اهتمام العراق بالمحور السوري، وبهذه الكثافة في الأنشطة العسكرية الأمنية والسياسية العراقية على الحدود السورية خلال الأيام الأخيرة، يعود لما حصل مؤخراً بين قوات الشرع وقوات سوريا الديمقراطية، وهروب مئات الدواعش من سجون ( قسد)، وانهيار قوات سوريا الديمقراطية بعد تخلي الجيش الامريكي - كعادته - عن حماية قوات سوريا الديمقراطية التي واجهت بمفردها قوات الشرع وميليشيات أردوغان ومعهما تنظيم داعش.. 

إن كل هذه الأسباب جعلت حكومة العراق تمنح المحور السوري اهتماماً بالغاً، وقد ضاعف انسحاب الجيش الأمريكي من قاعدة عين الأسد في هذا التوقيت الحساس من خطورة الوضع عبر الحدود العراقية السورية، ومن اهتمام العراق، فكلنا يعرف الأهمية الاستراتيجية واللوجستية لهذه القاعدة، فهي ليست مركز قيادة وسيطرة ومحور عمليات لوجستي هام غرب العراق فقط، ولا تأتي أهميتها من تدعيم السيادة الجوية والبرية، وتوفر بنية تحتية تشغيلية لطائرات مقاتلة فحسب، إنما لأنها ركيزة مهمة في تعزيز القدرات الدفاعية للعراق وتأمين حدوده في مواجهة داعش، بخاصة وأنها تبعد 75 كم عن الحدود السورية لا غير.

وقطعاً، أن انسحاب الجيش الأمريكي بإمكاناته الفنية والعسكرية الفذة، سيضعف من أهمية هذه القاعدة ومن وضع القوات العراقية ..

إذن، فإن قضيتين مهمتين يجب الحديث بهما، بل ويجب الحديث بهما في هذه الساعة، وهما: هل إن القلق العراقي والإهتمام الكبير بتأمين حدودنا مع سوريا أمر ضروري، وهل إن الوضع على الجهة السورية خطير فعلاً، فيستحق كل هذا الخوف والقلق، أم إن في الأمر مبالغة ما، و تهويلاً يتم توظيفه لغايات (معينة) كما يقول هواة التشكيك، ويدعي أصحاب المؤامرة، الذين يروجون لفكرة أن التخويف من داعش ومن خطورة عملياتها يصب في مصلحة الفصائل العراقية، باعتبار أن أي احتكاك أمني في تلك المناطق يخلق مبرراً مثالياً لوجود هذه الفصائل وبقاء سلاحها دون مصادرة .. 

فضلاً عن أن أمريكا تطرب وتعزف أحلى ألحانها لمن يساعدها في محاربة تنظيم داعش، وتبدي الرضا عن كل من يقف بصفها في مكافحة الإرهاب، وهذه فرصة للفصائل المسلحة العراقية لكسب رضا أمريكا وهو رضا تحتاجه الفصائل هذه الأيام أكثر من الأيام الأخرى ..!

وهكذا يُخرج المشككون، قطار التأهب والحذر الأمني العراقي الطبيعي من سكته الطبيعية، فيمضون به إلى سكة خيالية وهمية بعيدة، سكة لا توجد إلا في العقول التشكيكية التي تقيس كل امر على مقاس المؤامرة ..  أما القضية الثانية فهي القضية المتمثلة بموافقة الحكومة العراقية على تسلم سبعة آلاف داعش، فيهم قادة بارزون في هذا التنظيم الإرهابي.. 

وللحق، فإن هناك الكثير من العراقيين وقفوا في صف الحكومة العراقية في قرار القبول بتسلم هؤلاء السجناء الارهابيين، بينما هناك عدد غير قليل أيضاً اعترض على القرار، منطلقاً من حسابات مالية تدعي أن كلفة مالية باهظة سيتحملها العراق باستضافة هذا العدد الكبير من المجرمين في سجونه، لاسيما في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها الحكومة العراقية !

وجوابي على إشكالية هاتين القضيتين يتمثل بتأييدي الكامل للإهتمام والحذر الذي تبديه حكومتنا لتحصين الأمن على الحدود العراقية السورية، وهو حذر ضروري حتى لو بالغت الحكومة فيه، أو شددت في الإهتمام به، فقد سبق وأن لدغنا من هذا الجحر مرة، ولا نريد تكرار اللدغة مرتين .. لذلك فإن مراقبة بؤرة هذه الخطورة التي لاتتمثل بغدر عصابات داعش فحسب، إنما أيضاً بالشرع وجنوده ومنظمته التي كانت تحمل اسم (هيئة تحرير الشام).. ومما زاد قناعتي بهذا الأمر ما سمعته من أحد جنود الشرع قبل ثلاثة أيام وهو يتحدث عبر فيديو مصور، فزادني اقتناعاً بأن الإرهابي مهما كان دينه أو مذهبه أو قوميته أو بلده، لن يتخلى أبداً عن عقيدته الاجرامية المتجذرة في أعماقه، وإن تشذيب اللحية، وارتداء البدلة وربطة العنق ليس كافياً لتحويل مجرم وقاتل إلى شخص مودرن وكيوت، واقتنعت أيضاً بأن متخلفاً قادماً من كهوف القرون الأولى، يؤمن حتى هذه الساعة من القرن الحادي والعشرين، بالغزوة والسبي والجواري، لايمكن قطعاً أن يصبح رجل دولة تنتمي إلى فصيلة الدول الدستورية والمدنية بمجرد أن يغير اسمه أو اسم منظمته.

لقد سمعت بأذنيّ وليس بأذنيّ غيري هذا الجندي الإرهابي يتحدث متفاخراً بنجاح  (غزوتهم ) على قوات قسد !! لقد كان هذا ( القاتل ) يحكي بثقة تامة، وهو يمسد لحيته العفنة وكأنه غزا لواء ( ناحال ) الصهيوني، او قضى على لواء جولاني الإسرائيلي، وليس قوة وطنية سورية قاتلت معهم سنوات ودفعت الاف الضحايا، حاملة راية الدفاع عن الحرية ببسالة، وقاسمتهم شرف مقاومة نظام بشار الدموي - إن كان لهؤلاء شرف في المقاومة - .. وصدقاً أني شعرت بوخزة في قلبي حين سمعت كلمة ( غزوة )، وهي تنزلق من لسان هذا الإرهابي العتيق، وفكرت في نفسي وأنا أقول: ماذا لو فكر هذا الإرهابي (الشامي) بالقيام بغزوة على أرض العراق واحتل لا سمح الله مدناً ومحافظات عراقية، كما حصل قبل اثنتي عشرة سنة، حين احتل (شقيقه ) الداعشي ثلاث محافظات عراقية، ونخسر مجدداً ارضاً وكرامة وماء وجه كريم، ونفقد شباباً يافعين مثل الذين خسرناهم في (غزوة) سبايكر المؤلمة ؟!

فأي الأثمان ياترى أغلى علينا : أهو ثمن الحياة والكرامة والشرف الباهظ الذي سندفعه، أم ثمن تلك الصمونة ومرقة البصل وبقية الزقنبوت الرخيص الذي سيطعمه السجانون لهؤلاء القتلة المجرمين ؟ 

إن السيطرة على كل هؤلاء القتلة ووضعهم تحت اليد أفضل الف مرة من بقائهم بيد الظروف والمفاجآت .. لذا فإن مقالي هذا، دفاع عن حياتنا ومستقبل أولادنا وليس دفاعاً عن احد مهما كان.. فأنا مع قرار تسلم هؤلاء القتلة، والإستفادة من كنز المعلومات الذي بحوزتهم، وحبسهم في سجوننا..  ختاماً أقول .. أنا معجب بأغنية القيصر كاظم الساهر: التلدغه الحية بيده يخاف من جرة الحبل .. 

وليس عيباً أن يخاف المرء على بلده من جرة الحبل، ومن جرة الخِبل أيضاً ..!