بغداد- العراق اليوم:
لا تزال الأزمة التي فجرها إصرار بعض أطراف الإطار التنسيقي على إعادة ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء تتمدد سياسيا وتزداد تعقيدا يوما بعد آخر، في ظل مؤشرات داخلية وخارجية تؤكد أن هذا الخيار لم يعد مجرد قرار حزبي أو تفضيل داخلي، بل تحول إلى عقدة سياسية تهدد الاستقرار العام وتضع البلاد أمام احتمالات مقلقة، في وقت لا يحتمل فيه العراق المزيد من المغامرات أو الحسابات الضيقة.
فعلى المستوى الداخلي، أفرز هذا الترشيح انقساماً واضحاً داخل البيت الشيعي نفسه، بعدما اصطدمت إرادة بعض قوى الإطار برفض قوى أخرى ترى في إعادة طرح المالكي خطوة استفزازية تعيد إنتاج الأزمات السابقة وتعمق فقدان الثقة بين الشركاء السياسيين، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على الشارع الذي يعيش أصلا حالة من القلق والتململ بسبب الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
هذا الانقسام لم يعد خافيا، بل بات ينعكس في الخطاب السياسي المتشنج، وفي تباين المواقف داخل الاجتماعات المغلقة والعلنية، بما ينذر بتفكك أكبر إذا لم يتم احتواؤه بحكمة عالية ومسؤولية وطنية.
أما على الصعيد الخارجي، فقد واجه ترشيح المالكي رفضا أمريكيا واضحاً وواسعا، بدأ من تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، ولم ينته عند مواقف أكثر صراحة صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما يعكس وجود تحفظ استراتيجي على هذا الخيار، مرتبط بحسابات الاستقرار الإقليمي، ومستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، وملفات الأمن والطاقة والتوازنات الإقليمية. هذا الرفض لا يمكن التقليل من أهميته أو التعامل معه بمنطق المكابرة السياسية، لأن العراق لا يتحرك في فراغ دولي، وأي صِدام حاد مع الإرادة الأمريكية ستكون له كلفة سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.
إلى جانب ذلك، برز رفض واضح من القوى السنية التي عبرت عن مخاوفها من إعادة إنتاج تجربة سياسية ترى أنها لم تكن موفقة في إدارة الشراكة الوطنية، ولا في تحقيق التوازن المطلوب داخل الدولة. كما ظهرت تحفظات تركية وخليجية، تعكس قلقا إقليميا من عودة خطاب سياسي قد يربك علاقات العراق الإقليمية ويعيد فتح ملفات حساسة تتعلق بالأمن والاقتصاد والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
في ظل هذه اللوحة المعقدة، تبدو مسؤولية الإدارة السياسية داخل الإطار التنسيقي مضاعفة، إذ لم يعد مقبولا إدارة الأزمة بعقلية الشعارات، أو الخطابات التعبوية، أو ردود الأفعال الانفعالية. المرحلة تتطلب قراءة واقعية للمعطيات، وتغليب منطق الدولة على منطق الكتلة، وتقديم مصلحة العراق العليا على أي اعتبارات حزبية أو شخصية. فالوضع العام هش، والمنطقة تعيش توترات متسارعة، وأي خطأ في الحسابات قد يدفع البلاد إلى مسار غير محسوب العواقب.
الأهم من ذلك أن الحل بات اليوم محصورا عمليا في خيار تسمية مرشح رئاسة الوزراء، خاصة وأن الإطار التنسيقي لا يمتلك سوى اسمين مطروحين بجدية: محمد شياع السوداني ونوري المالكي. ومع اتساع دائرة الرفض الداخلي والخارجي للمالكي، فإن الاستمرار في الرهان على هذا الخيار يبدو أقرب إلى المجازفة السياسية منه إلى القرار العقلاني. في المقابل، ينظر إلى السوداني بوصفه خيارا أكثر قبولا داخليا، وأقل استفزازا إقليميا ودوليا، مع امتلاكه تجربة تنفيذية وقدرة على إدارة التوازنات المعقدة التي يتطلبها المشهد العراقي الحالي.
من هنا، فإن اللجوء إلى الخيار الآخر المقبول، أي ترشيح السوداني، لا يعد تراجعا أو هزيمة سياسية، بقدر ما يمثل قراءة واقعية لموازين القوى، ومحاولة لإنقاذ العملية السياسية من انسداد خطير، وحماية الاستقرار النسبي الذي يحتاجه العراق للعبور إلى مرحلة أكثر هدوءا وتركيزا على ملفات الإعمار والاقتصاد والخدمات.
إن الإطار التنسيقي اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن يثبت أنه قادر على إدارة الأزمات بعقل الدولة ومنطق الحكمة، وإما أن يغامر بالدخول في نفق سياسي مظلم، ستكون كلفته على الجميع، دون استثناء. والعراق، في ظل التحديات الداخلية والضغوط الإقليمية والدولية، لا يحتمل مزيدا من التجارب أو الرهانات الخاسرة.
*
اضافة التعليق
تركيا تدعي تطبيق اتفاقية المياه والعراق ينفي
الإطار التنسيقي إزاء معضلة حقيقية: كيف حشر نفسه في أتون ضاغط؟
العراق يدعو تركيا للتعاون في ملف المياه و طريق التنمية
ائتلاف السوداني يرفض الاملاءات الخارجية و يؤكد على احترام الإرادة الوطنية
المجلس الوزاري للاقتصاد ينفي استقطاع رواتب الموظفين
السياسي العراقي ليث شبر يوجه رسالة مهمة إلى مرجعية النجف والنخب السياسية والأكاديمية في العراق